السبت، فبراير 26، 2011

دموع قلم- الجزء الأول



عندما يتلاشى العمر و تتساقط أيامه كأوراق الخريف، وريقة بعد وريقة و لا تبقى سوى هذه الغصون المتآكلة و الكئيبة و العارية تحت برد الشتاء القارص و حرارة الصيف الحارقة. أنا مثله، و كمثلها و كمثلهم و كمثلهن... أنا كذلك أحببته و تنفسته و رأيت الدنيا من خلال عينيه... كلما ذكر اسمه اهتز قلبي هزة قوية لو قيست على سلم ريشتر لفجرت مقياسه.

سهرت ليالي عدة أفكر فيه، أتعذب كثيرا قبل أن أقنع النوم بأن يدغدغ رموش عينتاي. فقدت الكثير من وزني، فقدت الثقة في نفسي و صار دمعي صديق خدي الحميم. 
بحار من دموع الألم راقدة في أم عينتاي و حرارة الحب تلتهم قلبي كما تفعل النار في الحطب
انتظرت لسنين كثيرة و سهرت ليالي أكثر في انتظار رسالة حب منه أو فقط نظرة رضا... لكن لاشيء من عنده طرق بابي.
العالم كله يسهب في الكلام عن حبيبي. يقال عنه أنه جميل و أصيل و متسامح و متفهم و أنه يحب الناس جميعها و أن قلبه يسع العالم بأسره. فلماذا يا ترى قلبه الذي وسع العالم ضاق لنا؟
تعذبت كثيرا قبل أن أفهم أن حبيبي هذا الذي أحببته و لا أزال أحبه بجنون ربما لم ينتبه بعد لوجودي أو ربما لا يرغب في وجودي بالمرة.
لساني مكبل بسؤال  بسيط و صادق و لا يحتاج إلا قليلا من الصراحة ليؤول لإجابة شافية، لماذا تخلى عني حبيبي؟
 لماذا و أنا التي  حافظت على الأصل لأجله و أنا التي سهرت الليالي أصنع له عقدا من نجمات العلى، و أنا التي هاجرت و تهجرت بسببه و أنا التي عانيت لعشقه و أنا التي تبكي بدل الدمع دما لذكراه.
اقترب يوم الفراق فرجعت لذاكرة النسيان أبحث عن شيء يشفع لحبيبي هذا فلم أجد سوى جراح الإقصاء و التنكيل و النسيان.
حملت حقيبتي و قررت أن أرحل بعيدا و راء الحدود و أتمرد على قيدي الذي انحنت أمامه كل القيود. صارت حقيبتي جاهزة، ففتحتها لأتأكد من وجود جميع الوثائق التي سأحتاجها في رحلتي، فصرت أقلب الورقة تلو الأخرى إلى أن لمحت جواز سفري. كان جواز سفري يحمل اسمه... آه يا ربي كلما هربت منه وجدته أمامي.
 و فجأة أحسست بموجة عنيفة من ذكريات الماضي تضربني بكل قوة و ترمني في بحر الماضي الأليم.  موجة استفاقت من شدتها ذكريات موجعة لمرحلة تعد من أهم ما عشت لحد الآن. مرحلة كانت بالفعل مدرسة صقلت بمصاعبها و ظروفها الجهنمية شخصي و عرفتني بمكامن ضعف قوتي و مكامن قوة ضعفي. 
موجة أخرجت من دهاليز الماضي ذكريات تجربة ألم و شتات و صبر و معانات ثم فرج لم يكن منتظرا. تجربة عرفت فيها قيمتي في الآخر و قيمة الآخر في دنياي و قيمتها في حبيبها الكبير الذي أسر العالم بحبه و ضاق صدره لنا.
قصة حبنا بدأت في السادس عشر من أكتوبر في إحدى سنوات النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي حين أطلقت صرخة الحياة. ولدت و نشأت في أسرة ليست لديها أجنحة من مال و لا سلطة، أكسير حياتها حب و أمل و كثير من العمل. أسرة ليس لها سوى أب يكافح في صمت من أجل توفير حياة كريمة لأبنائه الكثر، و أم شمعة تحترق في صمت لتنير طريق فلذات كبدها في سراديب الظلام و القهر و الإقصاء.
حصلت على شهادة الباكلوريا بميزة جعلت كل المدارس التي تتوافق و تخصصي فاتحة أبوابها الظاهرة  لي. لم أركض وراءها جميعها بل اخترت الأقرب جغرافيا و ماديا من ظروف عائلتي.
اقترب موعد امتحان المدرسة التي رسمت لها تمثالا في أحلامي و صنعت أجنحة كبيرة من وهم الواقع لأطير لها و منها أصنع لي مكانا في بيت حبيبي.
عزمت، وبطبعي عندما أعزم أجعل من كل الصعوبات ضحية تتفتت على صخرة عزيمتي الحديــديـــة، و توجهت إلى المدينة حيث قدر لي اجتياز الامتحان الذي يشمل امتحانين أحدهما كتابي و الآخر شفوي و أشياء أخرى لم يكن  لي علم بها إلا بعد هذه التجربة القاســـيـة... يتـــــبع


0 تعليقات:

إرسال تعليق