الاثنين، فبراير 28، 2011

هل استوعبنا دروس نور و مهند؟



و أنا أتصفح أحد المواقع الإلكترونية العربية قرأت مقالا يناقش ظاهرة التأثير القوى للدراما على الشارع العربي و أخذ على سبيل المثال ارتفاع عدد الأسر التي اختارت اسم "نور"  أو "مهند" مباركة بشخصيتي فيلم "نــور" التركي "سنغول اودن" و "كـيـفانـج".


مرت الأيام و حدث أن ناقشت مع أحد الأصدقاء مشكل النضج القومي عند الشباب العربي و الإسلامي فقام بمداخلة مفصلة طرح فيها مثال تفاعل الشارع العربي السلبي و المبالغ فيه مع هذا المسلسل كدليل عن عدم اكتمال النضج الفكري العربي حسب قوله.

و ذات يوم و عندما كنت منهمكة في البحث و تصفح أخبار يوميات مهرجان مراكش الدولي- الذي ربما تفوق ميزانيته الميزانية المخصصة لتطوير التعليم في المغرب (هذا طبعا إذا وضعت الحكومة برنامجا و لم تنسى و إن نسيت فلا حرج عليها لأنها أوكلت دراسة بنيها " مشروع حكومة المستقبل" لمدارس البعثة الفرنسية و في هذه الحالة النهوض بالتعليم و تطويره لا يدخل في اختصاصها)- لمحت شريطا لأسرة مسلسل نور إبان زيارتهم لمقر قناة "إم بي سي" التي عرضت المسلسل، دخلت و شاهدت الشريط و بقيت مشدوهة أمام جنون الترحاب الذي حظوا به  و خصوصا مهند. فتساءلت: ماذا فعله مهند يا ترى ليتهافت الكل عليه بهذه الطريقة؟ ذهبت بعدها و بحث عن المسلسل و وجدته كاملا متسلسل الحلقات على أحد المواقع الإلكترونية و قررت مشاهدته بما أنني كنت في عطلة.

شاهدته بصفة متواصلة الحلقة بعد الأخرى و لمدة أسبوع كامل. أخذ من عمري أسبوعا كاملا لم أفعل فيه شيئا يستحق الذكر غير الغرق في أحداث مسلسل لا يحمل اسمه، فلا نور رأيته فيه و لا أعطاني نورا لأحارب به ظلام المستقبل. و عندما انتهيت مشاهدته دخلت في صراع مع التأخر الفكري الذي انغمست فيه كمتلقية باستمرار لم يتسنى لها الفصل بين أحداث المسلسل و التفاعل معه لإعطاء عقلي فرصة لتنفس و الوجود. نهضت انفض غبار سبع أيام من الخمول الفكري و صرت أحاول تشغيل المادة الرمادية لاستيعاب الثقافة التركية كما قدمتها شخصيات العمل و لملمة أفكاري في محاولة لفهم التأثيـــــــــر المحدث على المشاهد العربي.

نظرة عامة عن المسلسل :

لست خبيرة دراما و لست من نقاد الأفلام لكن العمل الذي استـدرج عقول و شد عيون خمس و ثمانين مليون مشاهد بين المحيط و الخليج لم يكن ليحقق هذا لو لم يكن محبوكا دراميا و أداء و يعبر عن أشياء تخص واقع أو تطلعات المجتمع العربي. وجدته فيلما متكاملا يلعب دوره الذي خلق لأجله على أحســن وجه و لكن بقيت واقفة على بعض التناقضات الصارخة التي حملتها تفاصيل المسلسل. هذه التناقضات لا تخص العمل الفني كعمل و لكن كأداة تعبير عن مجتمع مسلم. هل تلك التناقضات تعبر فعلا عن الواقع التركي و التي تتجسد في الشرخ الكبير بين الإسلام و انعكاسه على يوميات الفرد؟ أم أنها تداعيات علمانية النظام التركي؟ أم ربما أداة لترويض المجتمع على مكونات ثقافية جديدة؟

تسطيح المفاهيم:

و أنت تتفرج على المسلسل تلاحظ أن النبيذ لا يفارق وجباتهم العائلية و الشمبانيا لا تفارق احتفالاتهم، و بدون شعور أو نية تجد نفسك تكتسب ثقافة استهلاكية لهذا المحرم الذي لم يختلف عليه العلماء على اختلاف مذاهبهم، و المشكل هو أن المسلسل يقدم اسرة شاد أوغلو على أنها أسرة مسلمة و أن ما تفعله شيء طبيعي و لا يتعارض مع طبيعة دينها.

مرت سنة و سنتين و أكثر، مات من مات و كبر من كبر و صار قصرهم كملجأ للأطفال من كثرة الأحفاد و لم نراهم لمرة في أجواء رمضانية و لم نسمع يوما لآذانهم و لا لصلاتهم و لا شيء يذكرك بإسلامهم غير المصائب. فلا تسمع عن ما يوحي للإسلام إلا إذا حلت بهم مصيبة ما، و للإشارة هذه سياسة متفق عليها على ما يبدو بين أنظمة دويلات العالم العربي و على سبيل المثال أذكر أن بعد ثورة تونس تلقى المغاربة درسا في المواطنة و الحفاظ على الاستقرار في خطبة الجمعة في كل مساجد المملكة.

الجرعة الجنسية:

و انت تتفرج في مسلسل "نور" يخيل لك انك تتفرج على مسلسل أمريكي و ليس مسلسلا شرقيا من التوظيف الكبير للإيحاء الجنسي عبر مختلف أحداثه و وطياته الدرامية، فكان عنوانا للتعبير عن الخلافات بين بطلي المسلسل و عنوانا للحظات الصلح إلى غير ذلك من الحالات التي تم توظيفه فيها.

نحن كائنات تتميز عن باقي الموجودات على وجه البسيطة بنعمة العقل و بإشارة سنفهم الفكرة دون الحاجة إلى تجسيد خادش للحياء وتدجين الثقافة العربية المحافظة على اختلاف دياناتها و استفزاز للغريزة لدي المراهقين أو تربية الأطفال على ما لم نربى عليه. لست ضد فكرة توظيفه و لا طرحه لكن ذكاء المخرج يكمن في طرح الشيء دون خدش المتلقي خصوصا و أن المسلسل اجتماعي و أننا لا يمكن أن نختلف مع علماء النفس  الذين يعتبرونه عازف سنفونية العلاقات الزوجية، و لعله كان طرحا متعمدا و لعله من أسباب نجاح العمل المبهر، لكنها تبقى فرضيات لا يمكن تأكيدها دون دراسة علمية.

هنا تجدر الإشارة إلى أن درجة تفاعل المجتمع مع هذه الأشياء تختلف باختلاف تقديمها، أي أن تقديم تلك المفاهيم و الإحداث من طرف مسلمين يجعل درجة قابليتها أكبر مقارنة مع تقيمها من طرف غير المسلمين، أي أن المناعة الثقافية تكون أقل يقضة في صد المفاهيم بما أن من يقدمها شرقي نتقاسم معه الكثير.

و لكي أختم نظرتي الشخصية و التي تبقى نظرة إنسانة لا تعرف الكثير عن عالمي السينما و التلفيزيون لكنها تجرأت برخصة من العقل و غيرة من القلب على مناقشة هذا العمل، أسطر على أهمية المسلسل الاجتماعية باعتباره يصور الأسرة  كحقل وحيد للسعادة و الاستقرار و يصور التعامل الطيب كوصفة سحرية في نجاح العلاقات.

كيفانج أو ""مهند":

شخصية مهند كما قدمها "كيفانج" شخصية ما كانت لتجد الحياة إلا في الخيال البعيد، مهند هذا الذي عذب نساء العرب من مشارقهم إلى مغاربهم و وحدهن على ألمه و حبه ما كان ليعيش إلا في الخيال. و إن وجد فلن يكون مهند نور الذي أسر العرب لأن النسيج الدرامي قدمه في إطار أحداث محددة و مختارة. و رأيي أنه شخصية مستفزة قدمها العمل على أساس أنها لفارس لا كالفرسان و في نفس الوقت كان فارسا منزوعة الكرامة و العزة، كان فارسا مع وقف التنفيذ، و من المعروف أن المرأة السوية لا تبحث عن رجل تأخذه في ذراعها و التباهي به و كأنه حقيبة من حقائب لويس فويتون الفاخرة و لكنها تبحث عنه عزيز الكرامة كبير القلب حسن الخلق يكون صيفها شتاء و ربيعها خريفا يعطيها القوة بدل من أن يقول لها أنا لا شيء إذا تركتني.

جُنٌت نساء العرب في مقر قناة "إم بي سي" للظفر بقبلة أو بلمسة أو حتى بنظرة من كيفانج الحقيقي و نسين أن من أمامهم لا يربطه مع مهندهن سوى ذكرى مسلسل نساه من كثرة ما صور بعده و أن معشوقهن هذا لم يستقر في علاقاته العاطفية، ينكل بالحبيبة تلوى الأخرى لاشيء يرضيه. آه نسيت أنه صرح للقناة أنه معجب بالجمال العربي، أو ربما يقصد اللحم العربي من يعرف؟
قد نختلف على شخصه أو على أعماله لكن لا أحد يختلف عن اعتزازه ببلده و لغته و ثقافته و ما يخصصه من وقت و جهد لدعم بلده اقتصاديا و اجتماعيا و حتى انسانيا.

سنغول أودن أو ""نور" :

شخصية نور التي ذوبت قلوب العرب كمدا قبل أن تتصالح مع زوجها مهـــنــد ما كانت لتحيى إلا في الأحلام، فهي شخصية استثنائية و محورية في المسلسل لتكون الصدر الحنون المعطاء الذي وسع الجميع و الذي يدين له الجميع بالكثيـــر.

سنغول كسابقها كيفانج، لا يربطها بالشخصية التي لعبتها سوى ذكرى المسلسل، فسنغول التي ضحت بصحتها لأجل مهند تركت في الواقع زوجها بسبب الفيلم.

المشكل ليس فيها أو في حقيقتها كإنسانة، لكن المشكل كل المشكل في الإنسان العربي الذي لا يستطيع التفريق بين الشخصيتين و يلزمه كثيرا حتى ينضج و يفرق بين العالمين.

و لا ننسى لها كذلك الاعتزاز الكبير بالهوية و موقفها الكبير إبان الحرب الصهيوني على غزة، الموقف الذي لم يعبر عنه بعض الفنانين العرب علانية.

مسلسل نور أو سمر أو لميس أو محجوبة، لا يهم كثيرا لأن الجو العام واحد و الأداة واحدة، المشكل فينا و في تدهور أعمالنا و فننا، أين ''المال و البنون' و أين "ليالي الحلمية'' و أين "المسلوب" و أين "الكواسر" و أين و أين ... فهم يقدمون تلك المسلسلات لبلدهم قبل أن تدبلج لنا بلهجة سورية حتى صرنا نشتاق للمسلسلات المكسيكية القديمة التي على الأقل كنا نستفيد منها لغويا، أما الآن فلا لغة و لا مضمون و كما يقول الأتراك " ما هو مكتوب على الجبين لابد أن تراه كل عـــــين'' فما بالك بما كتب على ''الجبون ما يمسحوا شيفون ما يغسلوا صابون" ...



6 تعليقات:

(هيبو) يقول...

موضوع في الصميم
انا لا اشاهد المسلسلات لكن هذا لا يعني اني لم ارى مهند ذاك
المسلسل جنسي جدا ،واللباس فيه 'بدون تعليق' اتلك هي تركيا

لا اعتقد
لكن الاشكال ان الايحاءات الجنسية تلك تنقل لمجتمعنا للاسف

سناء البرڭي يقول...

نعم أخي، خصوصا عندما يقدمه مسلمون ... هذا الشيء يخفف من المناعة الثقافية للمجتمع.
شكرا على مرورك الكريم

مهاجر دازهنا يقول...

تدوينة رائعة ...لكن هل الرجال أيضاً يشاهدون هاته المسلسلات أم هي حكر على النساء ؟ أنا بعدا معمري شفت داك العجب ...!

لا لييور دو لاطلاس يقول...

شكرا لك اخي موحا

نعم المشكل العويص ان من الاسر العرب كانوا يتفرجون فيه في جو عائلي :(

سلام

أمال يقول...

كنت دائمة الاستغراب للسبب الذي جعل هذا المسلسل يحضى بكل تلك الجماهرية، وربما ما دفعني لمشاهدة بعض الحلقات، صدقا لم أكن استطيع الجلوس أمام التلفاز لحين انتهاء الحلقة، قمة السطحية، باختصار مسلسل ماعنوا لا ساس لا راس.
نحن نبلع كل ما يقدم لنا وتلك مصيبتنا.

سلامي

لا ليور دو لاطلاس يقول...

نعم يا أمال، نحن أفواه و بطون مفتوحة نبلع و نبلع دون أن نجهد عقولنا بالتفكير

اتمنى أن يتغير حال هذه الأمة

سلام لك

إرسال تعليق