الأحد، فبراير 27، 2011

دموع قلم – الجزء الثاني



 استيقظت قبــل فجر يوم الامتحان الكتابي بساعة. طرقت باب الله عز وجل بركعتي استخارة و رفعت يدي و توسلت ربي، جل جلاله و عظم سلطانه، بحرارة سائلة إياه اليسر إن كان لي فيها خير في ديني و دنياي، و أن يصرفها عني في غير ذلك. أذكر جيدا أن الجزء الثاني من الدعاء لم  انطقه بحرارة الأول  لأنني حينها لم أكن أرى غير حقيقة واحدة و هي ولوج المدرسة الحلم.   

توجهت بحماسة نحو قاعة الاجتياز. كانت قاعة كبيرة مليئة بكراسي كئيبة و مقهــورة، تنظر بنظرة منكسرة لسقف القاعة الذي لا يقل عنها كآبة و بؤسا. عندما ترفع عيناك إليه تراه حزينا و يتبادر لدهنك انه قــد ينتحر على رأسك في أي لحظة. اصطفت في القاعة طاولات هرمة على شكل صفوف فرق عسكرية، يبدو أنها عايشت سنين الاستعمار لكنها لا تذكر سوى قصص حب لم تكتمل.  بحث عن مكاني و جلست جلسة ايكوسان لتقوية تركيزي و حاربت صعـــوبة الامتحان الكتابي بقلب فارس مقدام.

أذكر أنني خرجت راضية عن مجهودي و الحمد لله كانت النتيجة في مستوى الرضا و حصلت فيه على رتبة متقـــــدمـة.

أذكر أن هذا الشيء جعل من طموحي الكبير حقيقة و آمنت للحياة و انتظرت أي شيء إلا أن أطعن من الخلف. أذكر جيدا أنني تجاذبت أطراف حديث مطول مع نفسي و خططنا معا لحياة جديدة.
و أنا أطرح آخر سؤال لم يكن يفصلني عن الاختبار الشفهي سوى سويعات قليلة و منها سأكون مع موعد قص شريط مرحلة جديدة في حياتي و التي لم أتوقع سيناريوهاتها ولم أستعد لها بالمرة فأكلت نارها حطبي كله و امتدي لكل شيء كان جميلا و بريئا في شخصي.
جاء اليوم المشهود و ذهبت في أحلى حلة أفري الصفوف وسط الجموع بكل ثقة و دخلت القاعة و اجتزت الامتحان. كانت اللجنة مكونة من رجل و امرأة لا تبدو عليهما قسمات التواضع و صفات أناس حينا. طرحوا علي أسئلة كثيرة وبثلاث لغات مختلفة، أجبت على معظمها و خرجت راضية و سعيدة جدا، كيف لا و قد خطوت آخر خطـــوة بكل أمـــان و ثقة.
ظهرت النتائج بعد يومين من تاريخ الامتحان. ذهبت بعد الظهر لاستكشاف اسمي ضمن قائمة الناجحين فلم أجد، لم أصدق فاستكشفت مرة و مرتين و ثلاث مرات و لم أجد شيئا سوى أسماء على أوزان معروفة لدى كل المغاربة من شدة ترددها حتى صارت كأغنية مستفزة، تهينك من شدة تكرارها عندما تشعل التلفاز و عندما تسمع نشرة الأخبار و على موجات المذياع... مكتوبة في كل شيء و على كل شيء سوى كتب التاريخ.
ثم نشرت لائحة الانتظار، فكانت الصدمة قوية مدوية هزتني بصفعة قاسية عندما وجدت اسمي طويلا عريضا على لائحة العار. صرخت في وجه حروف اسمي: "اختفي أيتها الحروف من هذه اللائحة اختفي من تاريخ فشل، هيا افرنقعي.... ألا تسمعين قلت افرنقعي"، هربت منها فوجدتها تعترض طريقي إلى الباب... توجد على حائط... في كل زاوية...  و على كل وجه ترتسم عليه ابتسامة.
أتذكر جيدا أنني جلست على طرف الشارع المقابل للباب للمدرسة، حاولت استجماع قوتي و مساءلة نفسي عن سبب هذا الإخفاق، حينها تذكرت لحظات الامتحان التي اختزلت في شيئين يصعب علي نسيانهما. رأيت موجة تسونامي من الأحلام المتبخرة و الذكريات المريرة تتجنب كل الناس من حولي و تضربني بشدة و ترمني بعيدا. عندما استيقظت حاولت النهوض فأحسست بشيء يكبلني، سحبته لأرى ما هو، فوجدته ذكرى عالقة و متمسكة بكل قوة. قالت لي: سيدتي لا تنكسري من اختبار سيده لا يتكلم لغته الأم كما تتكلمين، أنت من اختبرته و كشفت ضعفه و هذا ثمن انتصارك. قالت هذه الكلمات ولم تعطيني فرصة للتعقيب و اندثرت في الفضاء و كأنها تقول لي تحرري كما تحررت.
انهمرت دموعي أمام الكل. كانت أول مرة تتكشف دمعتي تدون خجل و تتعرى أمام كل الناس و كأنها تقول لهم انظروا إلي اسألوني لما قررت الخروج.
كنت منهارة جدا... كان طعم الظلم حنظلا شديد المرارة. لم أحمل حبيبي أي مسؤولية، ربما خدع هو كذلك و وثق في الشخص الخطأ.
كانت لدي فرص أخرى أحسن و أهم لكنها لم تصرفني عن التدبر في حال التكوين في المغرب... هذا الحبيب الذي سقينا أرضه دما طاهرا و سنسقيها متى طلب، أرواحنا مسترخصة في سبيله، نموت و نحيا على عهده، نذكر له جميلا لم نره بعد.هذا الحبيب الذي أذكره في اليقظة و النوم، و أدعو له في كل صلاة و في كل ركعة و في كل سجدة  كل يوم.
أحسست بظلمة تلتهم شمسي بكل وحشية و تقطع لي شريط بداية حكاية لم أنتظرها. حاولت أن أهرب من فشلي لكن لم أنتبه أنني كنت جريحة و كلما ركدت زادت دقات قلبي و زاد معها نزيف جرحي.
جمعت حطام أحلامي المتكسرة و نفسي المنهارة المقهورة،  و سرت بأجنحة متكسرة مجرورة، كانت دموعي قد حفرت أخاديد على وجهي و شوهت ملامحي البائسة.... كم كانت هزيمتي قاسية و الأشد قسوة أن من هزمني لم يتجرأ على الخروج للساحة و مبارزتي ندا لند.
أذكر أنني ركبت الحافلة و سرت مباشرة لبيتي. كان كل من رآني حينها يتساءل عن الخطب العظيم الذي حول فتاة  تفيض حيوية و نشاط إلى شبه إنسانة في ثوب كهل.
أخذت الصدمة أكثر من ثلاثين يوما من أيام عمري المتساقطة كأوراق الخريف، لم أكلم خلالها أحد، لم أقتسم خلالها لقمة واحدة مع العائلة، عذبت فيها ناسا لا ذنب لها. هذه طبيعة بني الإنسان عندما يجرح يؤذي الذي أحبه لا الذي جرحه.
 باختصار عشت خلالها في العصر الحجري بكل ما تحمله الكلمة من معنى، قررت بعده أن أنزع قناع الخريف الذي غطى حياتي و خرجت أبحث عن شمس جديدة. يتبـــــع


8 تعليقات:

مغربية يقول...

سناء
أتابعك في صمت
لكني وددت أن أقول لك شيئا
ستجدين مستقبلا، أن وجودك فيما سميتها لائحة العار، هو أفضل شيء حصل لك في حياتك
فالخير دائما فيما اختاره الله
سلاميي
ومازلت هنا دوما

سناء البرڭي يقول...

نعم نعم يا سناء
هذا بالفعل ما حصــل، فدموع قلم بذات بدموع حسرة و بدلها الله بدموع نصر لم أتخيله ...
سأنشر الأجزاء الأخرى قريباإن شاء الله
شكرا فدعمك الكبير يا سناء فخر لي

(هيبو) يقول...

دوما بعد كل هزيمة يكون انتصار

فالهزيمة تقوي العزيمة لانتصار كبير

على العموم اسلوب راق للغاية وتعبير اروع واجمل ،يمكنني ان احس بما تحسين من خلال تدوينتك

سلام

سناء البرڭي يقول...

شكرا أخي على مرورك الكريم

hbourm يقول...

واصلي اعجبتني القصة اختي الفاضلة٠ اتمنى ان لها نهاية سعيدة في انتظار التتمة
حسناء

لا ليور دو لاطلاس يقول...

أهلا حسناء

ان شاء الله سأنشر البقية عندما يكون لدي ما يكفي من الوقت

شكرا لأنك كنت هنا

سلام أختي

مهاجر المتمرد داز هنا يقول...

تباً للايحة العار ...وتبا لتلك الاسماءدات الوزن المعروف ...كل التقدير والأحترام لكي سناء ...

لا ليور دو لاطلاس يقول...

شكرا موحا ... الله يحفظك ... قول آمين ههههههه

إرسال تعليق