الأربعاء، فبراير 23، 2011

غربــاء في الوطن




كنت في التاسعة من عمري و كنت طفلة كثيرة البحث و التنقيب في أي شيء رسمت عليه حروف الخط العربي. ذات يوم كنت أنقب في كتب إخوتي فسقطت عيني على قصيدة " قيد" للشاعر المغربي عبد الكريم بن ثابت من "ديوان الحرية". لم يكن لي من العلم و النضج ما يمكنني من إدراك ماهية القيد و ما هي أشكاله التي عبر عنها الشاعر من خلال قصيدته بصفة خاصة و ديوانه بصفة عامة، لكن كنت أحبها كثيرا و أجدها تحرك في شعورا يصعب علي وصفه. كنت كلما انفردت بنفسي رددتها، لم أكن أعرف سبب ذاك التصرف أو لماذا انكببت على حفظها، كل ما كنت أعرفه هو أن الشاعر متألم من ذاك القيد و ربما الألم هو الذي جمعنا على حب القصيدة.

بعد أحداث تونس استرجع الشارع العربي حديثه عن مفاهيم غابت عنا لمدة ليست بالقصيرة مثل "التحرر" و " الثورة" و "الشهداء" و "كسر القيد"، ثم رأينا الشعر الثوري يفتح عينيه بعد أن عاش غيبوبة طويلة سكن على إثرها غرفة الإنعاش الأدبي طويلا. كل ما صاحب ثورة الياسمين أيقظ حب القصيدة في فصرت كالمدمنة أقلب الكتب و أبحث بهستيرية عن قصيدة "قيد". و ما إن وجدتها حتى صرت أقرأها مرة و مرتين و ثلاث مرات، و في كل مرة أحسها و أحبها أكثر فأكثر. أحببت كيف عبر الشاعر عن قهره و جرحه من المستعمر الذي اغتصب أرضنا و استغلها و ذل عبادها و عاث فيها فسادا و سلبا و نهبا لكل شيء مقدس و لكل شيء عزيز.

توقفت قليلا عن التدبر في القصيدة و واجهت نفسي بهذا السؤال : " ما الذي يربطك بهذه القصيدة يا سناء؟ هل هي آلام الجرثومة السرطانية الاستعمارية التي  لازال الوطن يتوجع بسببها؟ هل هي فكرة الاستعمار التي تلاحق كرامة الوطن؟ أم ماذا؟"، استلقيت على سريري و أخذت أفكر في إجابة شافية لهذا السؤال. فكرت قليلا ثم صرت أحاور نفسي للوصول إلى مكان الألم الذي عبرت عنه القصيدة، هذا الشعور الذي يلاحقني أين ما رحلت و ارتحلت، هذا الشعور الذي يسرق من حياتي حلاوتها، هذا الشعور الذي لم يجد له الواصفون وصفا أقل من المرارة: الغربةو ما أدراك ما الغربة عندما تحسها و أنت في وطنك.

نعم هذا الشعور هو ما يربطني بالقصيدة و هو القيد المر الذي يحاصر اللحظات التي تتجرأ فيها شفتاي على الابتسامة. و أنا أكتب هذه السطور أكاد أجزم أن العديد من المغاربة يقاسمونني نفس الشعور، قد يطلقون عليه أسماء مختلفة لكنه نفس الشعور الذي أسميته " الغربة في الوطن".

نعم أنا مغربية و دمي مغربي و أصلى مغربي و روحي مغربية و ماضي و حاضري و مستقبلي مرتبط بهذا البلد ارتباط الأم برضيعها لكن أحس بغربة في و طني.

أحس بالغربة عندما أتفرج على جلسات البرلمان فلا أجد من يمثلني و لا من يرفع مشاكلي،أنا فعلا أحس بالغربة عن هذا الوطن عندما أشاهد كيف يتعامل الجهاز الأمني مع الفرنجة و كيف يكرم أصحاب الدار أشد الكرم. من منا لا يحس بالغربة و هو يرى الرؤوس الكبيرة تمتص دماء الشعب و لا تعاقب و ويل لأبناء الشعب من سرقة ما يسد الجوع، من منا لا يشعر بالغربة عندما يرى وزراء الهم الوطني تتلعثم و تعاني أشد العناء ثم تبلع لسانها قبل أن تنطق أو تركب جملة عربية قل ما تكون صحيحة هذا طبعا إن استطعنا فك شفرة الكلمات.

أحس فعلا بالغربة عندما أفتح التلفاز على إحدى القنوات الوطنية التي تمول من دُرَيْهِمَاتِنَا المعدودة و أجدها تخصص للغة المستعمر حيزا كبيرا مقارنة مع لغتنا الرسمية و سيدة اللغات "اللغة العربية" و اللغات المحلية ابتدءا بالريفية و مرورا بالسوسية و وصولا إلى الحسانية. أشعر فعلا بالغربة عندما أرى الملايين تصرف على المهرجانات في بلد الفقر المهين. أعرف أنني غريبة عندما تقوم السلطات و لا تقعد عندما تمس شعرة من أجنبي و لا تحرك شعرة عندما تكون الضحية من أبناء المغرب و أحفاد من قدموا الدم لتطهير المغرب من الاستعمار. أعرف كذلك أنني غريبة عندما لا أستطيع الخروج بمعية أبي تجنبا لقبلات السياح الماجنة  أمام العامة في بلد قيل عنه أنه مسلم.

لا تحاولوا أن تقنعوني بأنني صاحبة البلد لان حكومتنا تعمل لاستقبال عشرة ملايين مستوطن و لا تفكر ثلاثين مليون مواطن  من أبناء الدار و الرأي و" الشوار" مع وقف التنفيذ.


2 تعليقات:

مغربية يقول...

أهلا بمدونتك في حلتها الجديدة
عالم بلوجر متميز ومتأكدة أنك لن تندمي على دخوله
سلامووو

سناء البرڭي يقول...

نعم هذا ما يبدو لي، لكن لازلت أكتشف و سأطور المدونة تدريجيا.
شكرا سناء لمرورك الكريم

إرسال تعليق