الأربعاء، أبريل 27، 2011

نهاية نعجة عاشقة ... الجزء الأول


وقفت النعجة "توناروز" رافعة رأسها الملثم على منصة الإعدام في ميدان الفناء، ميدان القبيلة الكبير و الذي يتسع لكل أهلها نعاجا كانوا أم خرافانا. تقدم الخروف الجلاد نحوها و خاطبها قائلا:
ـ مولاي يسأل هل لك من طلب يحققه قبل تنفيذ الحكم؟

استدارت النعجة اتجاه الخروف الجلاد بعينين جاحظتين تكادان أن تخترقا قطعة القماش المحيطة بوجهها، و قلب "مخطوف" به رعشة زلزلت جسمها ثم أحست بنفسها تسحب من الميدان على صدى صرخات أيور "لن أنساك يا توناروز لن أنساك أبدا " و تعود لحكاية طفولة اغتصبتها الظروف و سكنتها الآلام ولم يبقى منها سوى أخاديد ألم و ذكريات وفاء.

ولدت توناروز في أسرة فقيرة فلم يكن لهم  مزرعة تأويهم و لا حقل يرعون فيه. كان أبوها الخروف "نعنوع" و أمها النعجة "نعنوعة" يستيقظان باكرا كل صباح للذهاب للغابة بحثا عن عشب طازج لأبنائهم و حطب للتدفئة إن وجد.
كانت توناروز  الابنة الصغرى للزوج "نعنوع" لكن في نفس الوقت كانت الأقرب لهما و الأكثر تفاعلا و تفاهما معهما، فنضجها المبكر و إحساسها العميق و تفانيها في التضحية و المساعدة جعلها الخليفة المرتقبة لحمل مسؤولية العائلة.
إلتحقت توناروز بالمدرسة في سن ست سنوات، كانت طموحة و طواقة لشيل الهم و ثقل المسؤولية عن والديها لا حبا في التكليف و لكن رغبة في التخفيف عنهما. كانت تعلق كل صعب على الدراسة، و كانت تؤمن أنها بنجاحها الدراسي قد تصبح قاضية تحكم لتنصف الناس، و تثأر لألم ظلم حاكم حول حياتهم من رغد النعيم لحياة جحيم دنيوي بعدما حكم على أبيها بترك القبيلة. كان ذنب أبيها الوحيد هو انه لا ينصاع للظلم و لا يقبل جور الحكم، إذ كان ذات يوم يسقي مزرعته عندما سمع صراخ جار له يسمى "نطوح"، كان يصرخ من عميق ألمه، ألم لأن حرس سيد القبيلة كانوا ينتفون صوفته من أجل حياكة غطاء تستظل به بنت سيدهم بعدما ملت من الغطاء الأبيض و أرادت أن تستبدله بغطاء بني. و ألم إهانة الكرامة و الاستبداد. تدخل "نعنوع" مدافعا عن جاره و لما لم يستطع شيئا سار في القبيلة مناديا في بني جلدته أن هلموا لرفع الجور و نصرة مظلوم يستغيث. فما كان لهم إلا أن أقفلوا بيوتهم مخيفة من التورط في مساعدة "نطوح". لما علم سيد القبيلة طرده بعد أن جرده من كل شيء و خرجت الناس تتفرج على "نعنوع" و هو يغادرهم منكسرا مقهورا، و ناداهم سيدهم هل من شافع له؟ فنادى الكل "لا يا سيدنا و مولانا، دمت ناصرا لنا و لقضايانا".
سار نعنوع مطأطئ الرأس ينذب حظه العثر إلى أن سمع صوت خطيبته و حبيبته "نعنوعة" تصخ بإسمه بعدما تخلت عن كل شيء في قبيلتها، عن أهلها الذين أذنوا لها بالذهاب بعد أن أتيقنوا أن لا خوف عليها مع خروف كنعنوع. هكذا النعجة الحرة الأصيلة معدنها يصير ذهبا عندما تسود كل المعادن، هكذا هي الحرة الأصيلة قد لا تراها متلألئة كل يوم لكنها تصبح شمسا حين يحل الظلام و تنشر الدفء و الضياء.
وضعت يدها في يده وقالت أنا معك ما دام لي نفس في هذه الدنيا. ضمها لصدره بقوة و قال لها لـو تساقطــت نعاج الكــون أمــامـي كـالمطــر فـلن تمـلاً عينـي غيــركِ فهل تقبليني زوجا؟ ...
سارا طويلا، قطعا مسافات طويلة و قضيا أيام عديدة بحثا عن قطيع يتبناهما إلى أن وصلا قبيلة بنو رعد، واستقبلهما سيد القبيلة و سمع لقصتهما ثم وافق على انضمامهما لهم.
منذ ذلك اليوم صارت أسرة "نعنوع" جزءا من قبيلة بني رعد، فيها عاشا و فيها رزقا و فيها ولدت توناروز.
عندما التحقت "توناروز" بمدرسة القبيلة لم تكن أبدا تفكر في غير الدراسة و النجاح و السمو بعائلتها لمرتبة الشرف ماديا و معنويا، لم تكن أبدا تتخيل أن يدخل حياها كقدر لن تستطيع صده و يتلاعب بأفكارها و يداعب ابتسامتها و يسهر جفونها، قدر لم يختر له القدر اسما غير "أيور"، الحبيب أيور ، حبها المستحيل في عمر الزهور.
كانت المعلمة "بعباعة" صارمة جدا، لا أحد كان له الحق في مناقشة اختياراتها، و أجلستها أول يوم في نفس مقعد أيور ثم  قالت لهم هذه أمكنتكم و يا ويل من سولت له نفسه أن يململ "فرقوشه الأسود" من مكانه ...
بوجوده جنبها، صارخوفها من عالمها الجديد طمأنينة و راحة، و نشأت بينهما علاقة صداقة قوية. كانا يدخلان معا و يخرجان معا، يلعبان معا، يحلمان بحقل كبير يرعيان فيه و يقطفان زهوره معا، كانا فقط زهرتين على وجه الدنيا الأوحل.
 كان "أيور" ابن الثاني لأسرة ميسورة، فأبوه كان مسؤول الأمن في القبيلة و كانت لهم مزرعة كبيرة و كانت مظاهر الطرف بادية عليه، فصوفته كانت ناعمة و بيضاء و عيناه تتلألئان بحماسة للحياة. كان كل شيء فيه عكس "توناروز" فعيناها تحكيان غدر الزمان و قلة الحيلة و ثأر كرامة مقيد، كانت صوفتها منفوشة و يداها صلبتان و أثار الفقر بادية على محياها، كان كل شيء ينقصها تجده في "أيور" و تسعد له كثيرا. فهكذا القلوب البيضاء كريمة حتى على من يذكرها بالنقص.
نجحت توناروز و أيور بتفوق في السنة الأولى من الدراسة و كذلك في السنة الثانية. و دعيا لحفلة يقيمها سيد القبيلة احتفاء بطلبة العلم المتفوقون. انتظرت "أيور" أمام مدخل الحقل حيث سيتم الاحتفال و لم يأتي فأمرتها أمها أن تدخل و تنتظره في الحقل كي لا يتربص بها ذئب أو ثعلب جائع. دخلت و غصة تقف في حلقها، هنالك شيئا ما يحدث، ليس من عادته التأخر... لا لا بد من أن في الأمر ما يدعو للقلق، و هي تجادل نفسها في أمره رأته يدخل مع أبويه، اهتز قلبها لرؤيته و هرولت لاستقباله.
 كان منكسر النظرة و دمعتين مخنوقتين تتردان في النزول من بين جفون عينيه، 
ـ قالت : ما بك أيور ما خطبك؟
ـ فأجاب بعد أن انفجر باكيا : "إني راحل يا توناروز راحل"
 ـ لأين؟ و لماذا؟ و كيف؟
طلبت منه أمه أن يسلم عليها لأنهم تأخروا، ضمها لصره و هو يقول "لن أنساك أبدا يا توناروز لن أنساك أبدا" ثم رحل.
يتبــــــــــــــــــــع

12 تعليقات:

مغربية يقول...

أولا: لا أعرف لماذا لم تفارقني الابتسامة وأنا أقرأ كلمات قصة توناروز وأيور
ثانيا: أعجبتني أسماء الأبطال كثيرا اولم أعرف أبدا لماذا أسقطت القصة على النعاج
ربما سأعرف فيما بعد
أنتظر بشوق باقي الأحداث
سلامووو

سناء البرڭي يقول...

ههههههه عزيزتي سناء،
لاأعرف من أين جاءتني تلك الأسماء، اخذت وقتا في اختيار اسمي البطلين لكن الأسماء الأخري جاءت بعفوية، ربما هذا يعكس جزءا من شخصي ، لا أعرف
أنا كذلك عندما انتهيت و قرأت وجدت الابتسامة ترتسم على وجهي رغم أن القصة في مضمونها مؤلمة ...
شكرا يا سناء على دعمك و متابعتك التي افتخر بها
لن اتأخر في طرح البقية
سلاموووووو

(هيبو) يقول...

قصة عجيبة جميلة
وكأني شاهدت القصة بطريقة اخرى في احد الافلام مممم
لا ادري
المهم
سأتذكر النعجة توناروز
الاسماء في القصة مضحكة اضفت رونقا للقصة كما اعجبتني الحبقة واسلوب التشويق لديك سناو
في الحقيقة خطوت خطوة في عالم القصة الدرامية

تسلمي

سناء البرڭي يقول...

هشام،
هههههه لا لحد الأن هذه قصتي من نسج واقع ممزوج بالخيال هههههه
أنا فعلا خطوت خطوة كبيرة لأنني لدي قراء من طينتكم
الله يحفظك أخي العزيز
و تسلم أيضا

مدونة مفيـد يقول...

رغم طول القصة وضيق الوقت إلا أنني أصررت أن أكمل القصة بل إني الآن في شوق لقراءة الجزء الثاني منها و أظن أن توناروز سترافق أيور كما فعلت أمها منم قبل لكن في نفس الوقت أرى انها لازالت صغيرة

المهم لا داعي لاستباق الأحداث

في انتظار التتمة

هذا سلامي إليك

غير معرف يقول...

راااااااااااااااااااااائع
الجزء الاول من الحكاية مؤثر وحزين وبما انك صاحبة النص أتمنى أن يكون للجزء الثاني نهاية سعيدة تعيد الأمل للعديد من النعاج
مزيدا من التألق سناو

سناء البرڭي يقول...

@مفيد : شكرا على المرور الكريم و على المتابعة، إن شاء الله سأنشر الجزء الثاني غدا، دمت بخير
@ ؟إليك أيها الغير المعروف الذي عرفته رغم أنه اختار الاختباء وراء المجهول، لك مني أصدق تحية

عبدالعاطي طبطوب يقول...

أظنها قصة عن الخوف, والمواجهة
قصة مشوقة

سناء البرڭي يقول...

شكرا عبد العاطي، هي قصة عن كل شيء رأى فيه العالم العربي معنى الألم
تحياتي

مدونة صفوان يقول...

نعنوع و نعنوعة و توناروز ...... أسماء جميلة و تصلح أن تكون رسوما متحركة ستلاقي ضجة كبيرة ... الله عليك يا سناء لقد أتحفتني بقصة الرائعة

لا ليور دو لاطلاس يقول...

شكرا صفوان، أعتز بهذه الشهادة

شكرا

كتيب كتبان إفريقيا يقول...

لم اعرف من أين أبدأ و ماذا أقول اترك التعليق حتى نهاية القصة

إرسال تعليق