الأحد، مايو 01، 2011

نهاية نعجة عاشقة ... الجزء الثاني


لم تستوعب توناروز الخبر و لم تستطع أن تحتوي قسوة الصدمة، و انهارت دموعها كالمطر و هي تقاوم قلبها الجريح الذي ثار بين ضلوعها يطلب الخروج و اللحاق بروحه التي أخذها أيور معه. حاولت توناروز مقاومة ثورة قلبها بقمع صرخته التي لم يصل منها إلا أنين تخر له القلوب السامعين ألما. قاومت ثم قاومت ثم استسلمت و همت راكضة وراءه و هي تصرخ أيور انتظر يا أيور ... فأحست بقيد جائر يلتف حول صدرها و يجذبها إليه و صوت يهمس لقلبها الذي يحترق أن لا تركب قارب العواطف عندما يكون بحرها هائجا و أن اصبري ستكبرين و ستنسين... 

كان ذاك ذراع أمها التي أيقظ فيها المشهد ذكريات رحيلها الأول و قالت بحنان "لا يا ابنتي لا تبكي ... " انفجرت توناروز بكاء حينما علمت انه راحل و تارك إياها و صرخت "لا يا أيور لا لا لا ... لن أنساك أبدا، لن أنساك أبدا و لنا لقاء وموعد لن أخلفه " استدار أيور  لما سمع صراخها و هو يحاول عبثا أن يستجمع دموعه و آلامه أشار لها برأسه أنه على وعده و سيبقى و أنه لموعدها لمشتاق منتظر.

انقلب الحفل حزنا على رحيل الزوج "بندور" و عزت توناروز على الجميع فاقتادت نعنوعة ابنتها لبيتهم ثم افترشت لها شيئا من القش و وضعتها و انسحبت بهدوء بعد أن بصمت على رأسها قبلة حملت كل حرارة حب قلب أم يحترق لقلة حيلته على محترق مقهور. في الحقيقة لم يكن هدوءا بالقدر الذي كان صمتا رهيبا يكسره من حين لآخر أنين توناروز.

عاشت توناروز بعد هذا اليوم مرحلة من الفراغ و السخط عن القدر و تخاصمت مع كل شيء كان جميلا في حياتها، كيف لا و كل جميل كان يرتبط باسم أيور. كانت من حين لآخر تتلصص لمزرعته، تدخل مطاردة شيئا من ذكرياته، قهقهات ضحكته، نظرة عينيه المنكسرة الساحرة، نظراته الحنونة، تصرفاته المجنونة، ثم تمر نسمة تحمل لها ريحه فيهتز قلبها و تنهار باكية في أحد الأركان التي كان يقيل فيها و تستخرج من جيبها ظرفا تفتحه و تغفو بين شعيرات خصلته الناعمة التي كانت دائما معها.

صارت توناروز "الحملة" "نعجة"، "لم أتغير كثيرا ..." قالت و هي ترفع خمارها و تنظر لنفسها في المرآة و استرسلت قائلة "ربما صرت خروفا مفتول البنية و ازددت وسامة و جمالا يا أيور..." ثم أطلقت تنهيدة عميقة  و قالت "كم اشتقت لك يا أيور". كان طيف أيور لازال يلاحقها، يداهمها عندما تسرح في خصلات شعره، و كانت تتمنى أن تراه يوما ما فقط لتراه، لم تكن تتمنى أكثر من هذا و لم تكن تنتظر منه الكثير فهي الفقيرة و ذات الصوف المنفوش و يداها اللتان ما فتئت تصد ألم الزمان ازدادتا صلابة. و كانت تقول في قرار نفسها " ما الذي سيجعل خروفا كأيور ينظر إلي و يربط حياته بنعجة مثلي ؟ وبما تزوج و نساني أو تناساني لا أعرف؟ و إن فعل لا يهم المهم أن أراه و أن أفي بوعد قطعته على نفسي...

كانت كل ليلة تسهر مراقبة النجوم المتلألئة في السماء و هي تهمس بصوت ضعيف "أعرف أنك في مكان ما يا أيور، في مكان ما في هذا العالم ... و أعرف أنك ازددت جمالا و وسامة و أن سنا ابتسامتك أروع من ذلك النجم المتلألئ.

مرت الأيام بسرعة و وجدت نفسها وحيدة وسط أبناء القبيلة في صف الدراسة، فكل رفيقاتها ما إن بدأت تظهر عليهن علامات الأنوثة حتى خرجن و سكن بيوتهم على أمل زوج يتقدم لهن ليكمل صورتهن أمام المجتمع، فهن ناقصات مادمن بدون زوج يكمل "نعجانيتهن" (على وزن إنسانتهن عند البشر). لكن توناروز و بدعم من أسرتها التي ترى في العلم الأساس و الأصل والفرع، أنها بعلمها لن تكون مجرد أم تربي فرعها بفطرة الأمومة و لكن عالمة تقوي عود أمومتها  و تجعل منها مدرسة متكاملة. هكذا قررت توناروز أن ترحل لقبيلة " المداڭة" المعروفة بعالمها الفلكي " بو نجمة" لتستكمل علمها عن النجوم بعد أن تبدد حلم طفولتها في القضاء لأن نساءهم لا يحق  لهن المفاصلة بين القطيع و حتى رفع الخمار يعتبر جرما يستوجب كل العقاب. اختارت توناروز أن تدرس الفلك ربما تقرأ يوما في النجوم مكان أيور، فقد قضت ليال طويلة تبحث عن أثر حبيبها في السماء حتى سقطت في حب الفضاء.

كان سيد القبيلة ملتزما جدا، لكن التزامه كان متنورا فلا حرم امرأة من طلب العلم و لا فاضل بين النعجة و الخروف و لا جعل أنثى تندب حظها لأنها ولدت نعجة. و كان دائما يقول " لا تجعلوا نعاجكم أندادا، احموهم كما فعلوا إذ كنتم أولادا، و لا تفاضلوا فكلنا تحت الله عبادا".

هكذا جمعت توناروز شيئا من أغراضها و قررت أن تسافر لقبيلة "المداڭة" المعروفة بإشعاعها العلمي وعالمها "بونجمة" كي تقضي ستة أشهر قبل أن تعود لتستثمر علمها في ما يخدم قبيلتهاحملت توناروز صرة فيها ما تيسر من المال و بعض الأغراض التي قد تحتاجها في سفرها و سلمت بحرارة على والديها و إخوتها و سارت مع خروفين من زملاء الدراسة " بو عوينة " و هو أعمى و " المنڭاش"  قاصدين قبيلة العلم و المعرفة.

ساروا و قطعوا مسافات كبيرة و ما أن عنت القبيلة المنشودة حتى و جدوا نفسهم أمام واد هائج لا يقدر عليه إلا القوي المغوار، وقفوا محاصرين و قلة حيلتهم تذيقهم مرارة قسوة الطبيعةقال "المنڭاش" : ما عسى نفعل يا توناروز؟
قالت : لا أعرف ما عسانا نفعل، يمكنك أن تقطعه أنت و "بوعوينة'' و أنا سأتدبر أمري، على الأقل سأنتظر و أرى أن كان هناك مار يمكنه المساعدة، ساعد "بو عوينة" أولا و مدبرها حكيم إن شاء الله
قال : لا يا توناروز ، لن تسول لي نفسي تركك فالضفة وحيدة.
قالت: أعرف يا "المنڭاش" لكن "بعوينة" أعمى و أخاف أن يستفرد به ذئب جائع.

و هم يتجاذبون أطراف الحديث، مر بهم مجموعة من الخرفان، فقال كبيرهم ما خطبكم أيها الإخوة؟ تراجعت توناروز  وتركت " المنڭاش" يتقدم لمحاورتهم و حكى لهم أنهم طلبة علم جاؤوا قاصدين القبيلة "المداڭة" لكن الوادي يمنعهم عنها، و المشكل هو أن بصحبته نعجة و خروف أعمى و لا قوة له على مساعدة الاثنين معا و لا حيلة له في ترك أحدهما على الضفة وحيدا.

في اللحظة التي كان "المنڭاش" يكلم الخرفان استرق توناروز نظرة من تحت خمارها، فلمحت كبير الخرفان، اهتز قلبها و انقبض و بلعت ريقها و هي تقول رباه إن فيه شيء من أيور... تراجعت وراء الشجرة و رفعت خمارها حتى تراه براحة أكثر، ثم قالت رباه له نفس نظرة أيور، تلك النظرة المنكسرة الساحرة، رباه أتراه أيور؟ أم شوقي يرسم في خيالي تفاهات ما كانت لتتحقق إلا في الأحلام؟

يتبــــــــــــــــــع 

9 تعليقات:

laila يقول...

سناء
تحرقين اعصابي وتفقدين صبري
انتظر الجزء الثالث وانا على امل نهاية سعيدة تعيد الحياة لتوناروز

غير معرف يقول...

like it sanaaaaaaaa

سناء البرڭي يقول...

ليلى : لا يا ليلى لا أحرق دمك و الله ينجيك و يحفظك
أحكي آلام نساء العرب فقط

الجزء الثالث بعد غد ان شاء الله

غير المعروف : شكرا على المرور

مدونة مفيـد يقول...

إذا ستصبح توناروز فلكية
رغبة منها في قراءة نجوم السماء و معرفة أخبار أيور لكنها أخطأت الطريق فدراسة التنجيم هي التي تلبي مرادها هذا
أما الفلك فلو درست طوال حياتها لما تمكنت من التنبأ ولو بما سيقع في الدقيقة القادمة ناهيك عن حياة أيور

في النتظار التتمة

هذا سلامي إليك

(هيبو) يقول...

ممم حقيقة سرحتي بي بعيدا بالقصة ،وخصوصا اني برج الحمل يعني لدي اهتمام بالخرفان والنعاج وهلم جرا .. احم احم

المهم لم يغب التشويق ،بدا لي السرد سريع نوعا ما وكأنك تريدين انهاء القصة بسرعة ،غابت التفاصيل فهي الاهم
ع العموم القصة اخذت منحا جميل اعجبني حقا كما ان هناك افكار جديدة
في النهاية اضن ان تونادور بدأت تتخيل كل خروف جاء امامها انه ايور
حالها صعيب يا اختاه ،حاولي عليها **
نحن دوما هنا متابعين
في انتظار التتمة
سلام

مغربية يقول...

أولا ابتسمت لتعليق مفيد، عاشق الفلك هههه
ثانيا : انا في انتظار النهاية على أحر من الجمر... أرجوك أرجوك ازربي بزربة وحطي لنا التتمة
سلامووووووو

سناء البرڭي يقول...

مفيد : ههههههههه صحيح هههههه لكن بونجمة يدرس التخصصين، و المهم أنها نعجة طلعات و لا نزلات غادة تبقى نعجة ههههههههههههه، شكرا على المرور و الملاحظة الدقيقة

هشــــام : فعلا اسرعت لكن لم أغفل التفاصيل المهمة، أذكر فقط التفاصيل التي المهمة لرسم النهاية فقط اما أن ذكرت الكل فالأجدر بي نشرها في كتاب و ليس على المدونة لأنها ستكون طويلة جدا، شكرا لك

تحياتي


سناء : هههههه رائغة ديك ازربي ذكرتني في لبنى السريعة، ان شاء الله الجزء الثالث غدا أو بعده
شكرا لك سناء
سلامي الحار

غير معرف يقول...

ما شاء الله أسلوب متميز

رائع و مزيــــــــدا من النجاح

كتيب كتبان إفريقيا يقول...

لربما جئت متأخرا جدا لكني سأعرف حتما ماذا ستفعل توناروز

إرسال تعليق