الثلاثاء، يونيو 14، 2011

نهاية نعجة عاشقة ... الجزء السادس و الأخير


بعد سير طويل بدا لهم الوادي و بدا لهم بضع خرفان بجانبه، فأسرعوا أكثر و أكثر للحاق بهم قبل أن يقطعوا الوادي. ما أن اقتربوا حتى و رأوا  أحد تلك الخرفان يتجه نحوهم مسرعا. تجمدت أرجل توناروز أرضا و هي تقول ' رباه أنه هو مرة أخرى، إنه أيور ... أحست بالدنيا تدور من حولها و برجليها تنغمسان في الأرض من شدة ثقلهما و لم تحس بدمعتها التي نزلت لتمسح آثار سنين طويلة من الانتظار و الوفاء.  

اقترب أيور و هو يجري بسرعة جنونية، اندهشت توناروز و من معها من تصرفه، و همست لنفسها قائلة أتراه يجري شوقا لي؟ أتراه يجري نحوي ندما على ضياعي منه آخر مرة؟ شكرا أيها القدر ... ما أروعك أيها القدر ... سيدي أنت أيها القدر، رؤوف بي أنت أيها القدر، ماذا لو كان قد عرفني في أول مرة، ربما ما كان ليتركني أسافر و أنهل من العلم و أتزود من التجربة خير الزاد.

وقف أيور أمامهم و قلبه يكاد يقفز من صدر، ينبض بقوة لدرجة أنهم كانوا يسمعون نبضه، كان العرق يتصبب منه كمحتضر في أيام الخريف. لم تتراجع توناروز وراءا و بقيت مشدوهة من شدة جماله و نظرته الساحرة التي زادها النضج سحرا و جمالا. بادر المنكاش أيور قائلا :
ـ ما خطبك يا أخي؟ ما بك ؟
ـ أجاب أيور و كأن أنفاسه انقطعت، زوجتي تلد، زوجتي تلد ... و أتمنى من الأخت التي ترافقكم أن تعينني، أرجوكم إنها تموت...

أحست توناروز  بقطعة ثلج حادة تنزل على قلبها و تشقه نصفين، أحست بدوار  و بركبتها لا تستطيعان حملها، و سالت دموعها تحت خمارها ... شدها المنكاش بقوة من ذراعها  و قال لها: أم تسمعي يا توناروز، أسرعي و أنقذي زوجته، أسرعي يا توناروز اسرعي، كانت حاضرة غائبة فشدها من ذراعها و صار يجري بها نحو الوادي، كانت خطواتها متثاقلة... سمعوا صراخا و أهات روح تتألم فبدأت توناروز تستيقظ  من الصدمة شيئا فشيئا، لم تحس بنفسها حتى وجدت أمامها نعجة تتوجع و تتألم، همت لمساعدتها. رأت لحما يتمزق ليعطي الحياة لقطعة لحم أخرى، و جسما ينزف كي لا ينزف الآخر و نعجة تموت كي تعطي الحياة لحمل صغير.
مدت تونارور يدها و ساعدت زوجة حبيبها على الإنجاب، ما إن بدا رأسه حتى مدت يديها و سحبته و صارت تتمعن فيه و الدموع لم تتوقف عن السيلان على خدودها، لقد رأت فيه أيور الحمل ...

أخذ أيور ابنه في حضنه و قبل رأس نعجته و شكر لتوناروز مساعدتها، ثم انتبه إلى أن المنكاش كان نفس الخروف الذي طلب المساعدة قبل ستة أشهر ... ثم استدار لتوناروز و رآها بعنين واسعتين جاحظتين و هو يقول
ـ  توناروز؟
ـ التفت إليه و قالت : أهلا بك يا أيور
ـ رد قائلا : كيف حالك؟
ـ أجابت بقسوة : بخير ثم همت بالانصراف.

طلبت توناروز من المنكاش أن تقطعوا الوادي لأنها مخنوقة و تشتاق لرؤية أهلها، سلموا على أيور و نعجته و أبويه و قصدوا الوادي. لحق بهم أيور و مدهم بشيء من المال، أحست توناروز بالإهانة و تركت يده ممدودة و استمرت في المشي نحو الوادي، انقض المنكاش على يد أيور و قبلها و شكر له نعمته التي أنعم عليهم بها ثم لحق بتوناروز و بوعوينة بجانب الوادي.  كان الوادي شبه جاف من شدة حرارة الصيف، قطعوا الوادي و ساروا بسرعة، كيف لا و حرارة لقاء الأحبة تشوي قلوبهم.

علم المنكاش من أيور أنه  كان قاصدا قبيلتهم – أي قبيلته الأصلية- للاستقرار نهائيا فيها بعد أن زارها و رتب كل شي للرجوع لان أبويه لا يريدان قضاء بقية أيامهما في المهجر، لكن حدث الولادة سيؤخر ذهابهم إلى حين شفاء نعجته.

ما إن عنت قرية بني رعد لهم حتى بدأت توناروز تجري و تبكي و هي تقول أماه أبتاه ( أي ماااااااع، بااااع بلغتهم الأصلية)، خرجت نعنوعة و نعنوع لاستقبال بنتهما، لم يصدقا نفسيهما و هما يريانها بعد كل هذا الغياب. بكى نعنوع و هو يضمه توناروز بقوة و يقول كم اشتقت لك يا بنيتي و صارت نعنوعة تشد ذراعه حتى تستطيع ضم ابنتها. كانت تلك أول مرة يبكي فيها نعنوع أما الناس، الكل كان يعرفه صلبا و مغوارا و لا يبكي المصائب فكيف يبكي الأفراح؟

ملأت صدرها هواءا باستنشاق عميق و هي تقول لوالديها "منذ ستة أشهر لم أحس بالهواء يدخل صدري". قضت توناروز ثلاث أسابيع مع أسرتها و هي تحكي لهم عن غرائب قبيلة المداكة، و كانت أسرتها سعيدة بابنتها و فخورة بها أمام القبيلة بني رعد خصوصا أنها لم تنجرف و لم تتغير و لم تخن عهدهم.

قررت توناروز إنشاء مدرسة لتعليم ما تعلمت لأبناء قبيلتها و لقيت مبادرتها مباركة سيد القبيلة الذي سخر لها كل الوسائل. فوجدت توناروز نفسها مسؤولة عن كثير من الطلبة و كانت سعيدة جدا.

بعد أسبوع من فتح المدرسة مات سيد القبيلة، مات الحكيم الرحيم بهم، مات سيدهم و لم يعين أحدا ليخلفه، فما كان لإبنه الأكبر الملقب ب"بوكرن" لشدة عنفه إلا إن انقض على مكانة أبيه بعدما تخلص من أخيه الاصغر و المعروف بقربه من أبيه و بتأثره كثيرا به. هكذا إذن استولى على مكانة قد يكون أخر خروف جدير بها في قبيلتهم، و استوى على عرش لا يستحقه.

خرج نعنوع يشاور الناس في ما آلت إله أمور القبيلة، فهو بطبعه لا يقبل الظلم على احد فما بالك إن طال هذا الظلم كل أهل القبيلة. علم بوكرن بفعل نعنوع و امر حراسه بجمع الناس كلها في ساحة القبيلة، هذا ما حصل و جاءت الجموع الغفيرة لتشهد ما سيفعل في الشيخ نعنوع. ربط وسط الساحة و أعطى بوكرن الامر بجلده فجلدوه حتى سالت دماؤه. جاء منادي ينادي في توناروز أن تنقذ أباها،  جرت توناروز للساحة و هي تصرخ، كانت لحظة وصولها تتزامن مع آخر جلدة تنزل على ظهر أبيها فألقت بجسمها أمام الجلاد لتصدها عن أبيها، تأثر الكل للمشهد لكن لا أحد حرك ساكنا و لا أحد أخرج صرخته للعلن، وقفت توناروز و مدت يدها و رفعت خمارها و ألقته أرضا و هي تقول " لا تلومونني على رفع خماري، فلا حرج في رفعه أمام النعاج ... لا تلومونني إني لم أر بينكم خروفا واحدا " . رعب بوكرن من قولها و اعتبرها ساقطة جاءت بكفر و أمر بسجنها و أن يحضر الجمع ليشهد مقتلها.

في تلك الليلة جاء أيور للقبيلة و كان مجيئه خبرا سارا لبوكرن الذي عينه مباشرة قائدا أمنيا و عجل بموعد إعدام توناروز.

وقفت النعجة "توناروز" رافعة رأسها الملثم على منصة الإعدام في ميدان الفناء، ميدان القبيلة الكبير و الذي يتسع لكل أهلها نعاجا كانوا أم خرافانا. تقدم أيور نحوها و خاطبها قائلا :
ـ مولاي يسأل هل لك من طلب يحققه قبل تنفيذ الحكم؟
استدارت توناروز اتجاه الخروف الجلاد بعينين جاحظتين تكادان أن تخترقا قطعة القماش المحيطة بوجهها، و قلب "مخطوف" به رعشة زلزلت جسمها ثم أحست بنفسها تسحب من الميدان على صدى صرخات أيور "لن أنساك يا توناروز لن أنساك أبدا " و تعود لحكاية طفولة اغتصبتها الظروف و سكنتها الآلام ولم يبقى منها سوى أخاديد ألم و ذكريات وفاء. ما أشد قسوتك أيها القدر، من أسرني كل العمر و عذبني ستكون نهايتي على يده.
 أجابت : لا أريد نهايتي على يدك يا أيور
صدم أيور بسماعه هذا و علم أنها توناروز، ثم ذهب لسيده و همس له في أذنه : لم تطلب شيئا لكن ما قضية هذه النعجة؟ حكى له بوكرن القصة باختصار و قال له أنها خطر عليهم. صدم أيور من ما سمع  و سار نحوها و رفع سيفه عاليا ثم استدار و جرى بسرعة و غرسه في صدر بوكرن و أرداه قتيلا، صدمت الجموع من فعل هذا البطل و صارت تكبر و تهلل، لم تفهم توناروز ماذا يحدث، ثم سمعت أيور يخطب فيهم " كيف تقبلون بهذا الجور؟ ما ذنبها؟ أنا فعلت ما فعلت و لست نادما ولن أعلن نفسي عليكم سيدا بل أنا بين أيديكم لينظر شيوخكم في أمري ..." ثم فك قيد توناروز و وقال لها لست أنت من يستحق الموت يا توناروز.

ما إن حررت توناروز حتى انصرفت بسرعة لترى أباها، و جدته يحتضر، لم يصدق أن ابنته رجعت و كتب لها عمر جديد، ضمته و مات  بين ذراعيها ...

جاءها أيور زائرا و مواسيا و حمل معه صرتها التي كانت قد فقدتها عند الوادي في سفرها الأول، أعطاها لها و قال : نعجتي ماتت بعد الولادة فهل تقبلين بابني ابنا لك و بأيور زوجا؟ أجابت قائلة له : "ليس الآن، أرجوك انصرف".

قضت توناروز أيام عديدة تبكي أباها و أمها التي ماتت كذلك من شدة كمدها على زوجها نعنوع، دخلت في دوامة من الالم و العذاب و المعاناة انتهت بموتها كذلك ...

ماتت توناروز بعد أن رسمت حروف حياة أبدية بينهم

انتهى

شكرا على المتابعة

14 تعليقات:

مغربية يقول...

كنت أظن أن أيور هو من سينفذ حكم الاعدام في توناروز لكن الوفاة كانت طبيعية.
قصتك يا سناء تستحق الاسقاط على عالم البشر
خيث الشر، والخير، الفجور والزهد، الظلم والعدل
هكذا هي حياتنا
التي فضلنا فيها أحيانا أن نكون نعاجا ساكتة
لكن الى متى؟
استمتعت صراحة بقراءة حكاية النعجة العاشقة
فشكرا لك على امتاعنا صديقتي الطيبه
سلامووو

هيبو يقول...

اليوم قرأت قصتين حزينتين
قصتك يا سناو وقصة من مدونة يومياتي
على العموم القصة مجملا كانت رائعة وفيها من المعاني الكثير ومن السرد والوصف والحكي الكثير الكثير

في الحقيقة اعجبتني كثيرا وخصوصا هذا المقطع بالذات لانه يغيرني فتارتا ابتسم وتارتا اصدم يعني بصحيح العبارة جعلتني اعيش القصة

ع العموم ملتبقايش طولي هاد المرة راكي فقستيني :p
سلام

لا لييور دو لاطلاس يقول...

@ايتها المغربية: انا من أشكرك على المتابعة و الدعم، سعيدة بان القصة راقتكم

@ هيبو : شكرا أس هشام على المتابعة واخا درتي ليا صداع الراس هههههههه شكرا شكرا ...

laila يقول...

رفعت خمارها و ألقته أرضا و هي تقول " لا تلومونني على رفع خماري، فلا حرج في رفعه أمام النعاج ... لا تلومونني إني لم أر بينكم خروفا واحدا "

لا لييور دو لاطلاس يقول...

ليلى كتشدي غير اللقطات ههههههههههههههههه شكرا على المرور

laila يقول...

رفعت خمارها و ألقته أرضا و هي تقول " لا تلومونني على رفع خماري، فلا حرج في رفعه أمام النعاج ... لا تلومونني إني لم أر بينكم خروفا واحدا "
هده المقولة يجب ان تدخل موسوعة التاريخ

يسرى يقول...

نهاية مؤثرة ومعبرة
أعجبتني القصة رغم أنني قرأت الأجزاء السابقة البارحة فقط لكنني كنت أنتظر النهاية بفارغ الصبر.
جميلة جدا ومشوقة هي قصة النعجة وهذا نابع من طريقة سردك للأحداث ووصفك المثقن.
أتمنى لك الإستمرارية والتوفيق

لا لييور دو لاطلاس يقول...

@ ليلى : أظنها كمتوبة في التارخ بعدد الهزائم و النكبات

@ يسرى شكرا لك ... شكرا

مدونة صفوان يقول...

أيور قام بدور البطل لكن توناروز لم تستطع المضي قدما لتكاثر المشاكل على عاتقها

لا ليور دو لاطلاس يقول...

مسكينة توناروز، لكنها ماتت لتعيش المبادئ التي آمنت بها
شكرا أخي صفوان على المرور

أبو حسام الدين يقول...

صدفة أكتشف مدونتك، يبدو أنه فاتني الكثير خاصة هذه القصة باجزائها.. على كل حال سأكون من المتابعين مرة أخرى.
تقبلي هذا المرور المتواضع.

لا ليور دو لاطلاس يقول...

شكرا أبو حسام الدين و مرحبا بك متى شئت

عبدالعاطي يقول...

رحلة مؤلمة زادُها ذكريات حب متعثر وحنين
قوي إلى الجذور.
يتعذب الانسان بالتأكيد عندما يقرر الحفاظ
على وفائه وكبريائه وقيمه رغم الاكراهات.
تحياتي وتقديري

كتيب كتبان إفريقيا يقول...

الحياة أحيانا غير مفهومة لكن الأكيد أن العدل في السماء طوبى لك يا توناروز من حسن حظي أني وجدت الأجزاء كلها هه قصة رائعة مليئة بالمشاعر الإنسانية تمنيت لو لم تمت توناروز لربما كانت هناك حلقة سابعة

إرسال تعليق