الجمعة، نوفمبر 18، 2011

وقفة على ماضي حبيب



نبذة عن التاريخ المنسي:

يعود تاريخ المغرب لزمن سحيق و حضارته قديمة قدم المجتمعات الإنسانية، فقد تعاقبت عليه مجموعة من الحضارات الضاربة في التاريخ و وُجدت آثارها في مناطق متعددة من ترابه الغالي. أول هذه الحضارات تعود إلى العصر الحجري القديم (قبل مئات آلاف السنين) و هي الحضارة الآشورية و التي وجدت آثارها في الدار البيضاء الكبرى (تحديدا في سيدي عبد الرحمان و أولاد حميدة و كذلك مقالع طاما). في جبل "يعود" و مغارة "هرهورة" وُجدت آثار حضارتين مرَّتا بالمغرب في العصر الحجري الأوسط و هما  الموستيرية و العاتيرية (مابين مائة و عشرين ألف سنة و أربعين ألف سنة قبل الآن).



كان للمغرب أيضا موعد مع الحضارة الإيبروموريزية في العصر الحجري الأعلى و أهم المناطق التي خلدت لهذه الحضارة مغارة تافوغالت في الشمال الشرقي للمغرب. جاء العصر الحديث الذي عرف امتداد الحضارة الإيبروموريزية التي انتشرت في شمال إفريقيا و شهدت تطور أسلوب عيش الإنسان المغربي و تدجين الحيوانات و تطوير الصناعات التقليدية، و هذا ليس بالغريب على أهل المغرب الأقصى باعتبارهم أكثر بلدان العالم أصالة في صناعتهم التقليدية.

بعد كل هذه العصور القديمة جدا، ضرب المغرب موعدا لحضارات وازنة بعد ميلاد المسيح، فمر منه الفنيقيون ثم البونيقيون ثم المملكة الطنجية (الموريتانية الطنجية) ثم الرومانيون. تكفيك نظرة على "وَليلي" تحت ضوء قمر محتشم أو نظرة "لشالة" على ضوء شمس تغرب (إلى غير ذلك من الأمكنة) كي تسمع نجوم الليل تتغزل في تاريخها و تعجب بصمودها أمام كل هذه السنين الطويلة، فلا الليل استطاع حجبها بظلامه و لا النهار خطف منها بريقها. 

جاء الفتح الإسلامي في القرن الأول هجري، فاصطدم العرب بعزة الأمازيغ الشامخة، فهم هكذا عزتهم و كرامتهم على قدر كرمهم  و طيبتهم.  فهم العرب و تعلموا لغتهم و جاءوهم مجادلين بالتي هي أحسن فاحتضنوهم و احتضنوا العربية و الإسلام و فتحوا الأندلس و نشروا الإسلام و خدموه كما لم يخدمه العرب أنفسهم.

بعد سقوط الخلافة الأموية، جاء إدريس ابن عبد الله فارا من مكة، جاء بريح بلد الحجاز التي تذكرنا بريح الرسول صلى الله عليه و سلم، احتضنته قبيلة آوربة الأمازيغية ودعمته حتى انشأ الدولة الإدريسية و كانت أول دولة قائمة بذاتها في المغرب و عاصمتها "وليلي" ثم "فاس" في النص الثاني من القرن الثامن ميلادي.

بعد الدولة الادريسية، حلت الدولة المرابطية سنة 1069م و اتخذت مراكش الحمراء عاصمة لها (تاريخ مراكش أقدم بكثير من هذا التاريخ)، ثم الدولة الموحدية سنة 1147 م بعد أن أطاحت بالمرابطين. بعد الموحدين جاء المرينيون بعد أن أتوا على آخر أيام الموحدين سنة 1269م. فجاء الوطاسيون ليطيحوا بالمرينيين و ليطيح بهم السعديون الذين تطاحنوا على السلطة بعد وفاة المنصور الذهبي (أحب هذه الشخصية كثيرا) ليعيش المغرب مرحلة فراغ بسبب التقاتل حول العرش.

بعد الفراغ الذي عاشه المغرب و انقسامه لعدة كيانات سياسية، دخل العلويون في المشهد السياسي بتنظيم حملات عسكرية لتوحيد المغرب سنة 1664م، و أسسوا دولتهم و استمروا على العرش ليومنا هذا.

التكالب الاستعماري :

في مطلع القرن العشرين عرفت المملكة المغربية ضعفا كباقي الأنظمة السائدة في الدول العربية، و فرض عليها توقيع اتفاقية الحماية الفرنسية و الاسبانية سنة 1912م، و قُطِّعت ما تقطع كعكة العيد إلى مستعمرات بين اسبانيا و فرنسا و لا تزال لحد الآن بعض حبات تراب هذا البلد العزيز لم تحرر بعد، نذكر على سبيل التذكير : سبتة و مليلية و جزر الخالدات و الصحراء الشرقية التي تحتلها الجزائر بعدما انسحبت منها فرنسا و وكلتها عليها، فلا الجزائر تذكرت دماء المغاربة الذين ماتوا لتتحرر و لا تذكرت المغاربة الذين جعلوا من أراضيهم قواعد عسكرية يرسلون إليها فلذات أكبادهم ليهدوهم شهداء إلى أرض الجزائر، تجدر الإشارة إلى أن أشقاءنا التونسيون لعبوا نفس الدور.

العرب و الأمازيغ من شيمهم عزة النفس و رفض الذل، فما بالك بالإنسان المغربي الذي جمع أصالة هاتين الثقافتين. اندلعت المقاومة و حرر الريف الأبي سنة 1920م لتنهال عليه اسبانيا بالقنابل الكيميائية فسقط عدد هائل من أبناء الريف الذين نكن لهم معزة خاصة في قلوبنا، و لازال آثارها لحد الآن و التي لا تحتاج لذكاء كبير فحالات التشوهات و السرطان المسجلة في ذلك المكان الطاهر و النقي ليس عاديا. فرنسا لم تكن أرحم من إسبانيا على صحرائنا الشرقية و أرهقتها بتجاربها النووية.

العالم كله يشهد بأن الاستعمار الفرنسي أشد أنواع الاستعمار مكرا و فتكا بالأمم، فهو ليس استعمارا عاديا يهدف إلى استغلال البلدان اقتصاديا و استنزاف مواردها، و لكنه يتخذ أبعادا تتجلى الآن بوضوح كبير و نحن نرى الطبقة المفرنسة متغلغلة في الدولة المغربية و مكرسة بذلك استعمارا غير مباشر لبلدنا العزيز.

جاءت فرنسا بخططها الخبيثة لتزرع سرطان الفتنة في المغرب من خلال طرح الظهير البربري الذي يدعو الأمازيغ الأشراف لخلق نظام يحكمهم منفصلا عن الذي يحكم عرب المغرب و ذلك لتشتيتهم و الاستفراد بهم (عربا و أمازيغا).

لم تتوقف فرنسا عند هذا الحد، بل غرست خلايا تعليمية و مراكز لنشر الثقافة الفرنكوفونية و تكوين طبقة من المغاربة بدون هوية و بدون غيرة على الأرض و المعتقدات لتخدم مصالحها.

الآن بعد خمس و خمسين سنة، لازلنا نصارع كي تصبح العربية لغة المؤسسات و سوق الشغل و أن تأخذ الأمازيغية مكانها الطبيعي إلى جانب العربية، فلا يعقل أن نُكوِّن طبيبا بالفرنسية و نُرسله لخدمة المواطنين البسطاء الذين لا يتكلمون هذه اللغة (و كيف لهم ان يرتبطوا بها و ريحها يأتي بذكريات أليمة؟؟). كما لا يُعقل أن نجلب إطارا فرنسيا -رغم أننا بلد يكاد ينفجر من كثرة المواهب- و نفرض على المُؤَطَّرِين أن يتكلموا لغته.

بعد طول انتطار و بعد أن سالت دماؤنا و بعد أن دفعنا الغالي قبل الرخيص خرج الاستعمار شكلا و ترك جراحا غائرة و خلايا السرطانية كثيرة لازالت إلى حد الآن  تقدم له قرابين الولاء.

في صباح ذلك اليوم مرت الحرية على أرض المغرب، في ذلك اليوم سطعت شمس كوجه عائشة التي جعلت التاريخ يقف و ينحني للمرأة المغربية، و مر النسيم يحمل رائحة عبد الكريم الخطابي و رسمت غمامة بيضاء صافية ابتسامته في السماء، في ذلك اليوم عرفت أن الوطن ثلاثة أشياء : أرض و شعب و نظام، قد يحق لي الغضب على إثنين منهما إلا الأرض فالروح و الدم لها و لناسها و لنظامها إذا كانا يحافظان عليها.

رسالة إليك يا وطني :

يا وطني ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة و دماؤنا جاهزة لتغسل خدك الأسمر.

أنا مريضة بحبك 

انتهى  


9 تعليقات:

مدونة مفيـد يقول...

شكرا على هذا الدرس
إن القوة في يومنا هذا هي قوة العلم
فقد سيطروا و لا زالوا يسيطرون علينا بتفوقهم العلمي
و لا بد أن نسترد عزتنا بتفوق علمي عليهم

سلامي

صفوان . Safwan يقول...

تاريخنا مشرف و حضارتنا جميلة
شكرا لك سناء على هاته الرحلة القصيرة عبر تاريخ المغرب الحبيب

مغربية يقول...

بعد أن قرأت كل موضوعك، شعرت بقشعريرة كبيرة تسري بداخلي :)
سعيدة أنا بانتمائيي لوطن تنتمين اليه:)
سلامي

mallouk يقول...

كلنا مرضى ومهووسون بحب هذا الوطن
أنا مع ما جاء في تعليق مفيد
وشكرا لك على هذا الموضوع في وقت لم نعد نميز فيه بين الاستقلال والاستعمار والاستغلال
بالتوفيق والسداد
تحيتي ومودتي

أبو حسام الدين يقول...

بإيجاز طويت تاريخ المغرب هنا، وكل كلامك عزة وشموخ..
لا أزيد عن قولك إلا أن أقول: آلا ليت قومي يعلمون، بل ويعقلون.

شكرا لك سناء

YASSINE يقول...

مقال اكثر من رائع عن تاريخ المغرب.. بكينا كالنساء مجدا اضعناه..لاننا لم نحافظ عليه كالرجال!

المهاجر المتمرد يقول...

لازلت أعتقد أن كل شيء بيد المغاربة كشعب لا الكراكيز التي تسبح في الاعلى...

dragon-rif يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
dragon-rif يقول...

سدد الله خطاك اختي الفاضلة على الموضوع الجميل
جزاك الله الف خير
وليبارك لك في قلمك الراقي
وبالإفادة ان شاء الله لكل زوارك الكرام
واصلي ابداعك ولا تحرمينا من جديدك
وذمت في رعاية الله


¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯¯
حــب الوطــن لا يحـتاج لمســاومة ولا يحتــاج لمزايــدة
ولا يـــحتــاج لمجادلــة و لا يحتــاج لــشعــارات رنــانـــة
ولا يــحتـاج لآلاف الكلـمات. أفعــالنا تشـير إلــى حبنــا
أصواتنـا تنطـق به، آمالنا تتجه إليه و طموحاتنا ترتبـط بـه
و تــمثـيلــه بشــرف واخــلاص وامــانــة أيـنـــمــا كنـــا
ونــقل صـورة مصغـرة لأرض وشـعب الـمغـرب العـظـيم
لا بد أن نحمله في قلوبنا لأجل أرض وأوطان راقت الدماء
لأجل أرض وأوطان تحـملت الشـعوب ألـواناً مـن العـذاب
لأجـــل أرض وأوطــــان اســتـــمـر نــبـــض الـــقــلــوب
حـــــــب و وفـــــاء حــتـى آخــر نبــض فـي الأجــسـاد
حـــــــب و وفــــــاء لدينــي ولــوطنــي و لمـلك الـبــلاد


اخوك محمد آمين

إرسال تعليق