الأحد، فبراير 26، 2012

سنوات تمضي...أشياء تتغير ...




 كنت طفلة تجد و تكد فقط  لترى بريق الفخر في عيني والدها، كنت أفعل كل شيء أظنه سيعجبه، كان هدف حياتي إرضاؤه، كنت أتألم كثيرا و أنا أرى نظرة عينيه مكسورة و هو يتفرج على نشرات الأخبار التي لم تأتنا يوما بنبإ سار عن حبيبته، و أحير كيف أمسح عن وجهه الكريم ذلك الانكسار لأكتشف العجز  قبل أن أعرف اسمه أو كيف يكتب. 

 ثم تمضي الأيام و تتطور علاقة صداقة قوية بيني و بين أخي حسن، كنا نتقاسم طاولة الدراسة و نحن نستمع لفيروز و جوليا بطرس تحكيان و تبكيان حبيبة أبي و حبيبتنا. و بدأت أتعرف على حبيبتي و أوقن أنها قضيتي و أكتب لها، ثم أوقن أن الكتابة لا تجدي نفعا و تتسلل مراهقتي النفسية بخبث لأفعالي فأرفض كل شيء و أكره كل شيء، ثم أخرج في مظاهرة "غير مرخصة" لتتكسر عظامي و لأرى جنود الوطن فقط على أبناء الوطن، ثم أدخل متسللة  إلى حمام بيتنا و أطلق الماء البارد على رأسي و أنا أبكي لأول مرة بصوت عالي تفترسه حرقة الغربة في الوطن ...


عرفت حينها أنني امرأة غريبة و تعايشت مع هذا الوضع، كنت أرفض فكرة الهجرة و ترك الوطن و شاءت الأقدار أن أهاجر إلى البلد الذي عاث فسادا و سلبا و نهبا لكل شيء عزيز في بلدي المغرب و الذي يدعم بكل الوسائل المتاحة و غير المتاحة الكيان الصهيوني. سافرت و اكتشفت إلى أي مدى كان تفكيري محدودا و نظرتي نظرة سلبية لا و لن تخدم القضية في أي حال من الأحوال.


مرت سنوات لأجد نفسي في أحد دروس مادة الجيوسياسة، و تعتبر القضية موضوعا دسما بالنسبة لهذا النوع من المواد. كان الطلبة العرب يتعصبون للقضية و ينفجرون بكلمات تنم عن كره كبير للكيان، و كان الفرنسيون ينظرون إلينا بعيون جاحظة و نظراتهم تقول " يا إلهي اسرائيل مسكينة ... ضحية ... ماذا فعلت ليكرهوها كل هذا الكره؟". ثم يخرج الطلبة العرب من القسم و كأنهم حرروا الأرض و رفعوا الظلم، ثم  تنسى القضية مع أول قهوة يرتشفونها، و سيجارة واحدة كافية بأن تحررهم من ضغط الموضوع، بل من الموضوع ككل.


ثم أجد نفسي في مادة الهندسة المالية في حوار مع أستاذي - أحد أهم المتضاربين في بورصة لندن- و أكتشف أن مغربيتي حظ موقوف التنفيذ لأن المغاربة يعتبرون أقوى المتضاربين و المحللين الماليين بعد اليهود، لكن للأسف لا تحكمهم ثقافة التضامن التي جعلت من الكيان الصهيوني ما هو عليه الآن.


تمر بضعة شهور لأجد نفسي حاملة لصفة محللة مالية، و بعد تجربة عمل و بحث مضني عرفت أن الجراثيم الصهيونية تنخر كل المؤسسات المالية، كل "يورو" يدخل جيب كل مواطن أوروبي مر أو سيمر بين أيديهم، هم أسياد عالم المال و الإعلام، و من رفض الاندماج في منظومتهم يمسح أثره.


تمر سنة فأجد نفسي أتجاذب أطراف الحديث مع صديق مصري، و أكتشف أن مستشاره البنكي ساعده على الحصول على بعض الخدمات البنكية، في المقابل اقتطع من حسابه هبة من أجل منظمة إنسانية، ثم نكتشف بعدها أنها منظمة صهيونية تنشط في القدس المحتلة.


ثم فهمت بما لا يستدعي الشك  أن اليهود مستعدون لعبادة هيلتر إن كان ذلك سيساعد كيانهم على الاستمرار، و أن جهادنا في سبيل فلسطين تحكمه النسبية و اللافعل  و التشنج  و الصدامات الداخلية و الحساسيات المفتعلة.


مرت أربع و عشرون سنة من عمري لأعرف أنني لم أفعل شيئا يستحق الذكر من أجل القضية.


مرت أربع و عشرون سنة لأعرف أن فلسطين لن تحررها هذه الأنظمة و المظاهرات و الصدامات على أراضي بعيدة جدا عن ميدان المعارك، حيث الجسم الفلسطيني يقاوم أخبث سرطان عرفته البشرية منذ ما يزيد عن ستين عاما.


 نحن انشغلنا بكره "اسرائيل" عن حب فلسطين، فالكره بطبعه لا يعطي شيئا لكن الحب يبني المستحيل، فقط احبوا فلسطين و اجعلوا هذا الحب يخرج في أفعال واقعية و سترون ماذا يمكنكم أن تفعلوا.

سنوات مضت و أشياء ستتغير ... يتبع ...




19 تعليقات:

صفوان . Safwan يقول...

المعادلة بسيطة
إبتعاد عن دين الله مذلة و هوان في الأرض
الرجوع لدين الله عزة و تمكين في الأرض

سميرة يقول...

تدوينة مميزة يا سناء ! نحن نظل نقنع انفسنا منذ عقود اننا لا نستطيع تغيير المنكر الا بالقلب واللسان فترى بعضنا يبدع في الكره والبغض ويخلق له اروع الشعارات التي تبقى ككل عام سجينة المظاهرات والمواقع ، غوغاء لا تغني ولا تسمن من جوع ، حتى المتعاطفون مع القضية هنا في اوروبا او في امريكا يقومون باكثر من ذلك ، تراهم يحملون اجسادهم ، واموالهم وعقولهم واطبائهم ومساعداتهم التي تخدم بحق اخواننا في غزة والقطاع ، عقلياتنا سلبية ولا تقبل غير الحلول السهلة ، اللهم اهدنا جميعا واجعلنا ممن يصلحون في الارض فتذكرهم ملائكة السماء عند عرشك...(آمين).

علاء الدين يقول...

أسلوبك رائع جدا !
آمل أن يصل صوتك إلى آذان مصغية تعيه وتتدبره.

رامي بدره يقول...

سلمت يداكِ أخت سناء .. كل كلمه كتبتيها في محلها ..
وأريد أن أقتبس مما كتبتي :

" نحن انشغلنا بكره "اسرائيل" عن حب فلسطين، فالكره بطبعه لا يعطي شيئا لكن الحب يبنى المستحيل "

وأيضاً : "اليهود مستعدون لعبادة هيلتر إن كان ذلك سيساعد كيانهم على الاستمرار"

وهذا الفرق بيننا وبينهم ..دفاعهم المـُستميت عن كيانهم..ومايؤمنون به..
واهتمامهم بالعلم والتطور والتقدم..وتكريس ذلك بكل السبل في خدمة كيانهم..

بينما نحن تخلينا عن عقيدتنا منذ زمن ..!
أو بالأحرى عن مبادئ عقيدتنا..

لاشك بأن انظمتنا العفنه سبب رئيسي وكبير
لـ مانحن فيه الآن

ولكن انا مؤمن جداً بأن سبب مانحن فيه ايضاً
هو بـُعدنا عن دين الله..

تحيه طيبه اخت سناء..وفي انتظار البقيه ان شاءالله..

المهاجر المتمرد يقول...

كلما تحدثو عن فلسطين أقول كل شيء سنستعيد القدس يوما ما أصرخ في وجههم بلا فائدة تذكر... مجرد كلام ما نقوم به
عندما قال لي احدهم إن ارادت إسرائيل أن تمحو العالم الإسلامي بأكمله من العالم فهي تسطيع لكنها لا تريد ربما هو على حق قوتها العسكرية كبيرة
ما قلته عن أن نحب فلسطين عوض أن نكره إسرائيل قد يكون الحل لكن يبدو أنا الكره فينا أكبر من الحب
ستعود لا أعرف كيف لكن ستعود تباً لبني صهيون

مغربية يقول...

في هاته الجملة قلت كل شيء يا سناء ... نحن انشغلنا بكره "اسرائيل" عن حب فلسطين، فالكره بطبعه لا يعطي شيئا لكن الحب يبنى المستحيل،

لاتــــي يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
كتيب كتبان إفريقيا يقول...

احببت كثيرا التدوينة مليئة بالاحاسيس ، يا ليتنا ننشغل بالحب في كل شيئ

أبو حسام الدين يقول...

عندما قرأت موضوعك وقفت أمام نفسي. قلت: ماذا قدمت للقضية؟

عبدالعاطي طبطوب يقول...

سنوات تمضي ولا بد للأشياء أن تتغير. ولا تتغير إلا بتغيير
منهج التعامل معها في كل مرة حسب المستجدات كما ذكرت أختي.

مدونة مفيـد يقول...

أحيّيكي على هذا الموضوع.. إن الإنتفاضة الحقيقية حي الإنتفاضة على الذوات و إصلاح النفس و الصدق في الدفاع عن بيت المقدس بالوقت و الجهد و العلم و المال


سلامي

Imad DAHA يقول...

تدوينة رائعة سناء و المشكل هو أن الصهاينة رغم التقتيل الذي يمارسونه على ابناء الشعب الفلسطيني تأكد لهم أن الحرب على الفلسطينيين بجميع الأسلحة المتطورة هي غير مجدية والآن يمارسون حرب اقتصادية عليهم إضافة للإستيطان

infowksl يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
infowksl يقول...

الحلال بين والحرام بين لاكن أين نحن منهما اللهم اغفر لنا وارحمنا اللهم امين

إيمي يقول...

سنــاء .. لم تتركي لي ما أقول ..
فقد قلت كل شيء ..
كلمتك تسللت إلى أعماق أعماق قلبي و كل جوارحي تفاعلت مع كل حرف و كلمة و جملة ..
أشعر بالعجز و العار أيضا ..
لكن أحلى ما في التدوينة .. انشغالنا بكره اسرائيل أكثر من حب فلسطين ..
نعم صحيح .. لكن صدقيني حتى إسرائيل نكرهها قولا فقط و عند التنفيد تجدنا من المخلفين ..
اليوم في المظاهره .. و غدا نستمتع بالساندويتش في ماكدو .. كانت أشياء تحير الطفله التي بداخلي ..
حتى كبرت و فهمت لمادا الايمان ما وقر في القلب و صدقه العمل .. هو حب فلسطين أولا .. و إعطاء القضيه حجمها الطبيعي .. يعني عمل جاد من أجلها و ليس مجرد كلمات و غضب و تعصب و كره للصهاينه .. و هم أسياد العالم .. و هم سعيدون بغبائنا على كل حال .. فبدل أن نبدل مجهودات في محاربتهم .. نبدد طاقتنا في كرههم ..

أمال الصالحي يقول...

قيل كل شيء في هذه القضية، وكأن سرا إلهيا يحفها يعجزنا عن الفعل، نحوم حوله وهو قابع في قرارة أنفسنا ..

سلمت يا سناء

المعتضد بالله يقول...

اسلوب راق وفهم عميق .

محمد ايت دمنات يقول...

أقول لك من أعماق القلب أنت قرة عين أبيك إذ أراك خير مدافعة عن حبيبته بكتابتك و حديثك باللغة العربية في بلد كله إغراءات شيء لم يقو عليه كثيون لم يهاجروا اصلا

نسايم المملكة للخدمات المنزلية يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

إرسال تعليق