الجمعة، مايو 04، 2012

امرأة مثلُكِ



تَحْمِلنا غيرتنا على هذا الوطن المترامي الأطراف بين خليج أصيل و مغرب أبي، جراحه النازفة تنزف من قلوبنا قطرة قطرة، و دموعه الجارفة تنزل من أعيننا دمعة دمعة، فقط لأنه كان من قدرنا أن نحبه، و نحن مهووسون بطبعنا، هذا نحن مهووسون بحبه.

يأخذنا الحنين إلى أيام الشرف العربي، إلى أيام الرجل بألف رجل و المرأة بألفي امرأة، ننهض لأننا نَعلم أننا نساء و رجال يحملون رسالة. أحببنا بتعقل ثقافتنا فَصُناها في غربتها و زيناها في ليلها. و أحببنا  ديننا و علمنا أن العقل أهم ما كرمنا به كآدميين فرفضنا أن نبيعه مهما كان الثمن. قررنا أن نخرجه في عمل بقدر حبنا و بقدر أملنا في تغيير يمحي آهات الظلم المتفشي بيننا و الاستبداد السياسي الذي اغتصب كرامتنا، فنمحي به هذه الفوارق الاجتماعية الخيالية ونمحي معها مِنْ مدننا قصورا في البذخ مدمنة و أحياء مشاكلها بين فقر و ضعف و انحراف متفاقمة. تمنينا أن نمحي صدى الزغرودات النسائية التي لا تخرج إلا للمواليد الذكور و نمحي معها صرخات فتيات قضى الختان على آخر معاقل أنوثتهن فصرن مجرد أداة إنتاج إنسانية. تمنينا أن نحول هذه الأحجار الباردة إلى قلوب تنبض و تمحي كل شيء غريب عن خلقنا كمسلمين، فنقطع سباتنا لنبحث على ذاتنا الضائعة، أو ربما نحن الضائعون عنها.

تعذبنا كثيرا قبل أن نرى واحدا منا يخرج من بين الجموع و يطرق باب الكرامة، فتبعته أفواج الجيل "ياء"  هذا الجيل المتقلب و المبعثر. لم نأخذ وقتا طويلا كي نفهم أن بلادنا هكذا هي تحب أن تشرب من دمنا لتقيس مدى حبنا لها، تحب أن ترانا نتوجع فيها و بعيدا عنها كي ترفع عينيها السمراء و تنظر إلينا، تأتينا ليلا لتتأكد أننا ساهرون نبكي جراحها و تنصرف في صمت، لكنها أرضنا و لن يغفر لنا التاريخ دقيقة لم نخلص لها فيها.

لم يكن أكبر المتحررين في عالمنا العربي يؤمن بدور المرأة في اللعبة، لكنها حضرت بنقابها و بشعرها المنساب و "دجينزها" الأزرق و بجلبابها الطويل مكذبة-فعلا لا قولا- كل من رماها بالضعف و قلة الحلية و الخضوع. فلا يعقل أن نغض النظر عن سيل من الحروف الصحيحة و نقف عند حروف العلة فقط.

المشكلة ثلاثية الأبعاد في العالم العربي، فالمتزمتون يزادون تزمتا و الرافضون لل"قيود" الدينية و الثقافية يزادون تعصبا و ولاء للغرب، و كلا الكتيبتين تتكلم بإسم أناس لم يكن ذلك أول همومهم. هنالك نسبة صادمة من النساء المضطهدة في العالم العربي، هذه حقيقة ! لكن هذا لا يعني أنه تحقق نتيجة مخطط ذكوري لضرب المملكة النسائية يعطينا الحق كنساء لطرح سؤال من قبيل " لماذا يكرهوننا؟".

كان الأجدر أن نسأل أنفسنا لماذا تونس حيث النساء أكثر تحررا في العالم العربي و الاسلامي لا تزال قابعة تحت مظلة الهموم التي يتقاسمها كل العالم العربي. فالمشكل لا يرتبط بجنس معين و لا بثقافة بعينها أو دين محدد، لكنه خليط معقد من مشاكل داخلية و تدخلات خارجية. و بالتالي فلا يعقل أن ندرج احصائيات تخص مناطق حيث حياة المرأة تشمل أشياء أهم بكثير من ما نتصور و من ما يمكن ان تعتمده الدراسات التي يتم اتخاذها كمرجع لتحديد المناطق الاكثر سعادة و تعاسة للمرأة، و نستنتج بفِكْرِ مُفَكِّر أن المرأة فعلا تعسية و أن المجتمع الذكوي فاعل أساسي في تعاستها.

لن أكون بتك السطحية التي طبعت معظم الردود و أقول لك أنني أعيش لامرأة و رجل كانا سبب وجودي على ظهر البسيطة، و آخر يكفي أن أضع رأسي على كتفه حتى أرى هذه الإبر المغروسة في لحمي تذوب و تتبخر ثم تختفي. لن أكون بتلك السطحية التي تجعلني لا أقف عند رغبتك في إثارة النقاش حول عادات وتقاليد تُهِينُنَا كمجتمعات عربية و مسلمة، و لن أكون بتلك السطحية التي تجعلني أرميك بالكفر و أجعل نفسي مرجعا لنهيك عن "منكر" كتبته و آمرك ب"معروف" فقط لأنني أراه معروفا.

لكنني لن أكون بذلك القدر من التفهم حتى أسمح لك بأن تتكلمي عن عاهات المجتمعات العربية مباشرة قبل أو بعد ذكرك لمراجع إسلامية في ربط مُبطَّن بينهما و تحميل الدين الحنيف أخطاء الثقافة العربية. لكن أكون كذلك بذلك القدر من التفهم حتى أسمح لك بأن تتكلمي باسمي و عني بالضعف و بأسلوب استجدائي. مخطئ يا سيدتي من يظن أن المرأة العربية ضعيفة و لعل الثورة أكدت بالملموس أن العربية متحررة فكريا بغض النظرة عن هيئتها الظاهرة، أكبر حتى من قيدها النظامي و الثقافي الذي لازال الآخرون يَجْتَرُّونَه بِنَهَم.

كإمرأة عربية لست محتاجة لأمارس الجنس حتى يجف جسدي و أدخن حتى أنفث دم رئتي لأبرهن أنني حرة، لست مستعدة لأعد ألف حبيب و مائة عشيق كي يعترف الغرب أنني أعيش و أستمتع بهذه الدنيا و أن مجتمعي لا يهضم حقي. لست مستعدة لأن أتكلم باسم امرأة أخرى فقط لأننها أمية أو أجعل نموذج حياتي مقياسا لسعادة الأخريات و نجاحهن و تحررهن.

الوسلية كذلك لا تقل أهمية عن الفكرة، فلا يعقل أن نتوجه لشعوب تغوص في براثين الجهل و الأمية و الجوع بأسلوب يتلحف بغطاء معاصر نخبوي - ربما مستفز لكرامة المرأة العربية - يتطلب مستوى ثقافي معين حتى يتمكن الإنسان من تجاور الصورة الظاهرة و الغوص في الدلالة.

سؤال أتمنى فعلا أن تطرحيه على نفسك، كيف تتكلمين عن موضوع لا يخص غير العربيات بلغة أجنبية؟ هل تنتظرين أن تأتي أمريكا لتصنع لنا واقعا متحررا للمرأة كما فعلت في أفغانستان.

لو سألت نفسك كعربية "لماذا الصهاينة يكرهوننا؟" ؟ لربما كان السؤال أكثر واقعية.


هامش : هذا المقال ردا على مقال منى الطحاوي "لماذا يكرهوننا"


9 تعليقات:

صفوان . Safwan يقول...

إن أردت معرفة رقي حضارة أو أمة أو بلد ما فلاحظ تعاملهم مع المرأة ، المرأة تشكل مرآة المجتمع و عليها يتمحور كل شيء و هذا ما يتناساه الإسلاميون قبل العلمانيون ، آخر وصايا الرسول كانت " رفقا بالقوارير " هذا يلخص نظرة المسلم للمرأة و لا نهضة في أمة إن لم تشكل نسائها ، كما يقول المنشد حمود الخضر " توازن الحياة أنت ، رقيها إذا ارتقيت ، وجود عالم جميل رسالتها لها أتيت ، فراشة بكل فخر بالورد بالندى التقيت فيا أزيان كل زين بك يزين كل وقت "

رابط الأغنية : http://www.youtube.com/watch?v=4PpNy7305g4&feature=relmfu

كتيب كتبان إفريقيا يقول...

كيف لي أن أكره أمي و هي من حملتني في بطنها و ربتني و حنت علي كيف لي أن أكره أختاي و هما اللتان أمضي معهما أحلى الأوقات أضحك من قلبي أشاركهما مرحهما الطفولي كيف لي أن أكره من ستمنحني الحياة يوما و في عالم سأحط رحالي و أعلن إستسلامي ، من يتسائل عن الكره هو أول الكارهين ، شكرا لك يا أطلسية على المقال الرائع كنت هنا ...

ذ محمد أبو عز الدين يقول...

المرأة أم وأخت وزوجة وبنت لها كل التقدير والاحترام و قد كرمها الاسلام ايما تكريم
تحية تقدير لك أختي ... كلما قرأت لك نصا ازددت تقديرا لمواقفك ،،،ليت كل الفتيات مثلك يتأكدن أن الكرامة و النجومية نتيجة جهد وعلم وعمل وليس نتيجة رضا الغرب بتصرفاتهن ولن يتحقق ذلك دون التماهي مع عاداته وتقاليده
تحية تقدير مجددا أختي سناء

أبو حسام الدين يقول...

أحسنت القول أختي.
وقولك: "كيف تتكلمين عن موضوع لا يخص غير العربيات بلغة أجنبية؟ هل تنتظرين أن تأتي أمريكا لتصنع لنا واقعا متحررا للمرأة كما فعلت في أفغانستان."
سؤال وجيه.

عبدالعاطي طبطوب يقول...

لا يمكن أن ننكر أن التأويل القاصر للدين قذف بالمرأة وحقوقها إلى زاوية الحرمان والوصاية المجحفة. كما لا يمكن
في الوقت نفسه أن نقاوم التطرف التطرف بالتطرف أو أن نوجه القضايا نحو مقاربة سطحية هدفها الشهرة السريعة والمجانية لا تخدم ولا تدافع عن المطالب الحقيقية للمرأة فنأكل الأشواك بفمها.

حنان يقول...

حياك الله يا أصيلة ...... أزكي كلماتك هذه و أقول أن الحق كشعاع النور لا يخطؤه إلا العميان ـ عميان البصيرة طبعا ـ
و المرأة العربية أكبر من حروف لاتينية كتبتها صاحبتها لتكون رسالة لإرضائ"هم" لا "لإنصاف"نا" ..

أمال يقول...

صحيح أن بعض العادات أهانت المرأة العربية وشوهت مفهوم التكريم الحقيقي الذي خصها به الإسلام لكن دعوات التحرر تلك حقرت المرأة وأفقدتها قيمتها.

قلت ما يجب قوله

لك التحية

goulha يقول...

تبارك الله عليك
في الصميم
واللئيم من أهانهن ياسناء
طرح مميز لموضوع غفل عن معالجته الكثيرون وأخفق في معالجته بموضوعية الكثيرون

كريمة سندي يقول...

إذا كانت ابسط ألمور كالإرث الذي هو من حقها شرعا تحرم منه بسبب العادات والتقاليد فما بالك بألأمور الأخرى التي تعاني منها المرأة وتهان الله المستعان وأتفق مع الآخرين فيما قالوا جزاك الله خير الجزاء أختي في الله

إرسال تعليق