الأحد، مايو 20، 2012

ترفض ذاكرتي نسيانهم !!



رحلت عن المزهرية التي نشأت فيها، خرجت حاملة حقيبتي إلى ما وراء البحار، لم أكن أتوقع أن أحبهم أو أن يتعلق قلبي بهم، لا أعرف إن كان هذا حبا أم شيئا آخر، كل ما أعرفه هو أنهم يسكنون هنا بداخلي، تتشبث بهم ذاكرتي و يتوجع قلبي لأجلهم من حين لآخر ... حقيقة لا أعرف ما ربطني بهم.

كان أول يوم لي في فرنسا، جلست على معقد في الإتجاه المعاكس لسير القطار و كأنني أتمنى أن يظهر لي ما  تركته ورائي، ربما ألمح جبال الريف الشامخة من بين جبال الآلب العملاقة. ارتبطت بوهم و صدقته و بقيت شاردة حتى وقف مراقب التذاكر أمامي، أعطيته التذكرة فقال لي "التذكرة غير مؤكدة، هذا يستوجب غرامة" نظرت إليه بتعجب و لم أنطق بكلمة، بعدها لمح جواز سفري و أظنه فهم أنه أول يوم لي في فرنسا ذات النظام الخاص، فاسترسل قائلا " كان يجب عليك أن تمرريها من الآلة الصفراء عند مدخل الرصيف، لأنها إن لم تَتَأكد يمكن أن تُستعمل مرة أخرى"، أجبته "شكرا على التوضيح" و كنت أنتظر الغرامة لكنه انصرف بعد أن تصدق علي بابتسامة دافئة.

أثاره الموقف رجلا في الجانب الآخر من القطار، فسألني من أكون، حكيت له أنني مغربية و أنني قدمت إلى لفرنسا لاجتاز الإمتحانات الشفوية بعد أن نجحت في الإمتحانات الكتابية للمدارس الفلانية، صفق لنجاحي الأول و استغرب من شجاعتي و سفري إلى بلد لا أعرفه و لا أعرف فيه أحدا، و أنا استغربت من استغرابه.

كان القطار سيوصلني إلى المدينة المقصودة مع الحادية عشر مساء، أي بعد أن تغلق كل المتاجر و معظم الفنادق أبوابها، أحسست أنه خائف علي فاستبقت سؤاله و أَعلمته أن صديقة الدراسة سبقتني إلى المدينة و أعلمت المسؤولين في المدرسة بموعد وصولي. و هذا بالضبط ما لم يحصل فكان أول درس لي في فرنسا.

استرسل في كلامه و حكى لي عن بناته، أكبرهن في نفس عمري، فهمت أنه يريد أن يدعوني إلى بيته لكن أراد طمأنتي بطريقة غير مباشرة. كان ذلك الرجل سينزل في المحطة قبل محطتي فوقف بجانبي و تسمرت عيناه نحوي، مدني ببطاقة هاتفية قائلا "دعي هذه معك، و اتصلي بي إن لم يأت أحد ليبحث عنك في المحطة، سآتي بسيارتي بمعية زوجتي و إحدى بناتي لإصطحابك عندنا" ثم ربت على كتفي، إلتقت عيني بعينه و أحسست بدفئه الأبوي فوددت حينها أن أرتمي في حضنه و أبكي... لازلت أتذكره بحب كبير.

كان طويل القامة، بهي الطلة، رجلا طيبا، قليل الكلام، نبيل الأفعال. أتذكر جيدا ذلك اليوم، كان الجو صافيا و الشمس متربعة على عرشها في قلب السماء، فالشمس بطبعها لا تخطئ تعرف أن العرش الحقيقي يوجد دائما في قلب شيء ما.

كنت كالعادة مع بعض الأصدقاء نحتسي القهوة السوداء حين أحسسنا بالأرض تهتز تحت أقدامنا، استدرنا لنجده ساقطا أرضا بعدما كان واقفا مثلنا يتجاذب أطراف الحديث مع أصدقائه من أبناء الدفعة. حملوه بسرعة إلى المستشفى، علمنا أنه أصيب بسكتة دماغية. في اليوم الموالي كنت في مركز البحث حين رأيت صديقته تتلقى مكالمة هاتفية ثم تصرخ و تسقط أرضا على ركبتيها ... لقد مات حبيبها ... احترق قلبي و تحجر الدمع في عيني. مرت ثلاث سنوات على موته لكن لازالت سقطته و سقطتها تترددان على ذاكرتي البصرية... لازلت أتذكره بمرارة.

كان يكفي أن أقابله في المصعد لأعرف أن اليوم بدأ مميزا، كان شابا وسيما متدينا غاضا لبصره متفتحا في فكره، كان سفيرا عظيما لدينيه و بلده، كنت أفتخر أنه نبت من أرض أنبتتني، و أنه شرب من ماء سقاني، كنت أفتخر لأنه ينتمي إلى بلد أنتمي إليه. كان طبيبا و كانت تلك سنته الأخيرة من التكوين، كانت أمه تنتظر عودته لكن ليلتها داهمته أزمة قلبية و أخذت روحه، مات المغربي الطيب و لم نعرف بأمر موت حتى تحللت جثته. رحمك الله يا ابن بلدي...

كانت إنسانة هادئة و كان رجلا خدوما، درسنا لمدة سنة و نصف معا و عملنا في المدرسة معا و خرجنا معا و ضحكنا معا. أحبا بعضيهما و سافرا معا لإسبانيا في ايطار تبادل بين المدارس، أعجبته إحداهن هنالك فتركها. أخذ كل شيء و رحل فقررت أن ترحل كذلك. هو رحل إلى حضن أخرى و هي رحلت إلى حيث لا عودة.

وضع يده على كتفي، نابت عيناه عن لسانه و قالتا كل شيء، تمرد قلبي و أسقطت عيناي النظام، حكتا ما حكتا لكنه صعد القطار و انطلق ... أخذ نظرته و ريحه و دفأه و سافر، لملمت أمنيتي المكسورة و واسيت نفسي المقهورة و استدرت لأكمل طريقي. تركت الورقة التي تجمعنا في المكان الذي لم يتسع لأحلامنا، أحسست حينها أن النهر الذي كان ينقل له رسائلي بدأ يجف، و أن الكف التي لم تمتد لذقن غيره قررت أن تثوب و تكف. كنت أراه كل ليلة يبتعد و يختفي بين أصدقائه و صديقاته و أحلامه و مشاريعه، قررت حينها أن أمشي في طريقي ربما أنسى.

كان لابد أن أختفي كي يعرف أن الحب قد لا يموت لكن يمكن أن يَقِل، و كان لابد أن أنصرف ليعرف أن قراره معادلة لا تقبل الحل. اجتمعنا بعدها بحرارة يوم الفراق لكن في دنيا أخرى، لا هي بلده و لا هي وطني لكنه مكان يتسع لنا.

ربما لو إلتفت يومها ما كنت لأكون في هذه اللحظة أحضر حقيبتي لأمريكا، و ما كنا لنضيع سنة أخرى من حياتنا.




15 تعليقات:

أمال يقول...

هي قلوب سكنت قلوبنا واستعمرت الذاكرة :)

ذ محمد أبو عز الدين يقول...

كثيرون يأبى النسيان أن يطالهم لخدمة جليلة ، لمعروف ،لسلوك ،لموقف ،للفتة في وقت ومكان مناسبين...
يستمر سلطان المادة في بسط نفوذه على البشر لكن القيم تبقى صامدة و يستمر معها الخير منتصرا
موفقة بإذن الله اختي سناء

عبدالعاطي طبطوب يقول...

صدقت فبهم تستمر الحياة وتتجدد الثقة بها..وإلا صارت
مستحيلة.

مهاجر داز هنا يقول...

:)

كتيب كتبان إفريقيا يقول...

اجزم قطعا انك ايضا في ذكرى اناس آخرين سعدت بمروري من هنا

إيمي يقول...

كثيرون ترفض ذاكرتنا النسيان ..
و قالوا لي كثيرا أن الإنسان جاء من كلمة نسيان
مع ذلك لم أستطع أن أنسى ، فقط تظاهرت بالنسيان .. و في كل مرة كنت أنسى أن أنسى ..

شعرت بكل كلمة في تدوينتك ..
وفقك الله ..

خالد أبجيك يقول...

بعض المواقف يصعد علينا نسيانها، فتبقى محفورة في الذاكرة..

كنت هنا..

said elamine يقول...

لاحياة لمن لا ذاكرة له

مغربية يقول...

سناء...
حينما قرأت هاته الكلمات، تذكرت كل الأشخاص الذين لم أستطع نسيانهم..
مروا وتركوا بصمات في حياتي.. وودعوني..
قرأت كلماتك الأخيرة، فوجدت أن شيئا تغير
أشياء عديدة تتغير
سلامووووو

(هيبو) يقول...

سناو يا سناو

في الحقيقة مقالك هذا مؤثر جدا وطريقة سردك تنم عن احساس مرهف وحزن دفين ولغة غير متصنعة
لمستي في ذاك الانسان الذي ربما مر على ماضيه مرور الكرام وعلى اشخاص كانو في فترة ما اصدقاء واصبحوا غرباء
جميل ما كتبت هنا
صراحة جعلتني شارد الذهن

سلام

الشاب مروكي يقول...

حقاً هناك أناس يٱبى النسيان أن يطالهم !
بكلمة .. بحركة .. بنظرة .. يمكنك أن تخلد في القلوب !
فرحتي اليوم يا سناء فرحتان ..
الآولى أنِ عدت لبيتك من جديد .. أما الثانية فهي نشوتي بكلماتك الراقية!
لكني حزين .. لربما أختي الكبيرة ضيعت عنوان مدونتي ولم تعد تزرني :(
....................
" فالشمس بطبعها لا تخطئ تعرف أن العرش الحقيقي يوجد دائما في قلب شيء ما "
يا ليت قومي يعلمون !

لا ليور دو لاطلاس يقول...

@ أمال : أهلا بك يا عزيزتي، هي كذلك ... دمت بخير

@ أبو عز الدين : صدقت اخي محمد، شكرا على مرورك شكرا

@ عبد العاطي : هي كذلك بغير الثقة التي يعطونها، شكرا لمرورك

@ المهاجر : ابتسامة واش من ابتسامة هههه :)

@ الكتيب : و انا سعدت بمرورك، شكرا على وفائك

@ إيمي : عزيزتي شكرا على مرورك، يسعدني أن تدوينتي وصلتك، تحية لك

@ خالد : شكرا لأنك كنت هنا

@ سعيد : شكرا لانك كنت هنا كذلك

@ مروكية : نعم يا سناء هكذا هي الدنيا ... و فعلا أشياء تتغير ... أشياء كثيرة تغيرت منذ ذلك اليوم

@ هيبو : شكرا هيبو على كلماتك الطيبة، جميل ان الفكرة وصلتك و أنك فكرت بعدها ... استغل الوقت جيدا مع أناس تحترمها و تحبها

@ شاب مروكي : فرحتي كذلك فرحتان، فرحة برويتك هنا و فرحة باعجابك بالتدوينة

الاخت لا تنسى اخاها الصغير، خصوصا إن كان مثلك، مررت بمدونتك لكن لم اعلق، سأعود لأفعل

شكرا لك

كريمة سندي يقول...

نرجوا المشاركة في جمعة التاريخ الأسود في 20 يوليو القادم لنصرة ثورة سوريا ووضع علم الثورة تحياتي

حنان يقول...

و إن كنت قد قرأتها متأخرة إلا أني عشت إحساسك في كل كلمة كتبتها ..
أجزم أنك أبدا لن تنسيهم ... لك أجمل تحية و قد أنعشت ذاكرتي أيضا

Salaheddine bouyanna يقول...

الله الله ... أبدعت وأمتعت
يكفيني التعبير العربي الفصيح أعلاه لأعود وأقول بلسان دارجي "أش بغيتي عندي أختي ... بكيتيني!"

إرسال تعليق