الأحد، أغسطس 05، 2012

زاوية معاكسة !



اقتربت من نافذة أحد مكاتب الطابق الثامن و رأيت هذه السماء الواسعة الشاسعة بعين دامعة، و رأيت نهر "لاسين'' يشق باريس بحب كبير، فهو حبيبها و شقه يحييها لا يقتلها، ينعشها و لا يمتص جهدها و لا يغتصب كرامتها. فسألت نفسي عن سبب هذا الضيق الذي يخنقني، أين يختفي كل هذا الهواء عندما أستنشق؟ و أين كل هذه الوجوه المبتسمة عندما تخنق دموعي عيناي؟  

أخرج و أسير في طريقي المليء بالغبار،  يتوجع قلبي فأطبطب عليه فيصرخ أن خنجرا يشقه، أخجل لأنني لم أحافظ على قلبي من غدر الدنيا، ثم ألتمس العذر لنفسي، عذر لا تقبله غير نفسي، و أقول أن الطعنة جاءت من الظهر و إن طُعنتَ من الظهر فهذا يعني أنك في المقدمة، ثم أتذكر أنني لم أُطعَن. أحاول تركيب المعاني على الكلمات فلا تتركب، ثم أخلطها فأتوه بين تفاصيلها، ثم أوقف نفسي و أقول لها " بالله عليك إرحميني" و أسترسل "لعنة الله عليك و على أول مارس من كل سنة".

أحتاج إلى حضن يضمني فأفتح حضني لهؤلاء الأطفال الذين يفترسهم المرض الخبيث، أهرب من همي إلى همهم و من ألمي إلى ألمهم و من ضعفي إلى قوتهم.

دخلت عليهم و أنا أقنع نفسي أنني سأكتم دمعتي لأمسح دمعتهم، سأضمهم بالضبط كما أحتاجه أن يضمني، سأترك جرحي يشتكي كي أسمع شكواهم، قبضت بكل ما في الديكتاتورية من ضعف على بذلة الفارسة، فكنت فارسة منهزمة تقنع نفسها بقوة لا وجود لها في روح هذا الجسم الميت سريريا.

اقتربت من هذا الصغير و ضممته إلى صدري حتى اختفيت في حضنه الكبير، حينها أحسست بأول قطرات المطر تنزل على صحراء النفس، تراجعت بدهشة قليلا إلى الوراء ثم عدت و غطست جسما و روحا في حضنه الدافئ، حينها فهمت أن الألم عندما يصيب القلب المؤمن يجعل الروح ناضجة معطاءة ...

عادت ذاكرتي ثلاث سنوات إلى الوراء، تذكرت عمة صديقة لي التي كافحت المرض الخبيث عندما نهش ثديها الأيمن، ثم انصرف ليعود و ينقض على ثديها الأيسر، ثم انهزم أمام قوتها و انسحب لسنوات. أمهلها عشر سنوات و لم ينساها، فهو خبيث لا ينسى، ثم عاد بكل ما فيه من خبث إلى بنكرياسها فكان نُبل قوتها أكبر خبث غدره. رفعت همتها و رفضت العلاج الكيماوي الذي سيقتلها قبل أن يقتله، استغلت بضعة شهور التي بقيت لتنظم رحيلها. رأيتها بقوة تقول لابنتها أنها سترحل جسما لا روحا، و رأيها تبحث في كتب التوجيه المدرسي لتختار مع ابنتها طريق المستقبل، سلمتها بعد ذلك شهادة الدكتوراه التي حصلت عليها في ثمانينات القرن الماضي من أحد أكبر الجامعات الفرنسية، ربما كانت من القلة القليلة من "ولاد الشعب" الذين حصلوا عليها في ذلك العهد.
رأيت في أسرتها مثالا رائعا لرجل مغربي تمنيت لو أستنسخه ألاف المرات حتى ينهض الوطن من براثين فساده و نفاقه.

رأيت نفسى أُرفع و رأيت الواقع يتحرك في اتجاه دائري، فهمت حينها أنني كنت أراه من زاوية معاكسة، من زاويتي "أنا" و كأن الشمس تطلع من أجلي "أنا"، و كأن الهواء يتجدد من أجلي "أنا"، و كأن السعادة خلقت لتكون من نصيبي "أنا"، و كأن الغدر حرام فقط عندما يقع على رأسي "أنا". من تكونين يا "أنا"؟

هي زاوية معاكسة، تماما كما يرى الجميع أنني أحضن هذا الطفل، لكن الواقع و الحقيقة مختلفين جدا عن ما يرونه، فأنا كنت مجرد أشلاء اجتمعت و تراصت بين ذراعيه، هو من احتضنني و هو من أعطاني القوة لأحمل قلمي و أعود.


هامش: الصورة أعلاه صورة شخصية لي و لا أقبل إستغلالها او نشرها دون إذن مني.

12 تعليقات:

(هيبو) يقول...

كلمات يكتبها من يحمل ثقلا كبيرا !!

Mohamed Amarochan يقول...

:)

المغربية يقول...

أشاركك نفس الاحساس يا سناء
فأنا أنسى نفسي بهم
وفقط معهم :)
أهلا بعودة قلمك صديقتي
عقبالي هههه

خالد زريولي يقول...

ليس المريض عليل الجسد بل عليل النفس

سليم يقول...

رغم كل التعب الذي رأيته في كلامكِ
إلا أنك عدتِ بنص قوي :)

ذ محمد أبو عز الدين يقول...

اهلا بك و بكلماتك الدالة اختي سناء
اشتقت كلماتك كثيرا
فعلا في أحيان كثيرة يجب على المرء مقارنة نفسه بالآخرين لا يعرف قدر ما يعيش فيه من نعم ....
تحياتي

مدونة گـولـها يقول...

أقف هنا عاجزا عن التعليق بتعليق يفي حق هذا الإدراج ويوفيه قدره
إدراج قيم ورائع والأروع أنه كتب بحروف خرجت من القلب
وما خرج من القلب يستحيل أن يكون ناقصا

شكرا على هذا الإدراج
وشكرا على شهادة التنويه هناك حيث تغردين

عبد الحميد يقول...

تدوينة رائعة أختي سناء
كلمات صادقة .. مؤثرة
لا تطيلي الغياب مجددا

مهاجر داز هنا يقول...

سفير الصومال داز هنا ..ما تقربي بزاف من نوافد لا طحي .. هادشي عندك مخلط فيه النهر وسرطان والكسجين والموت مع الدكتوراه ..أعطي الخاطر لراسك أختي سناء ...الله المعين

إيمي يقول...

سناء ، أعيش مثل هذا الإحساس منذ 5 ماي 2011

كثيرا ما شعرت بكلماتك .. احترت في اختيار عبارات أو فقرات أقول لك كم عبرت فيها عني
لأني بكل بساطة كنت سآتي بكل التدوينة في التعليق هنا

كثيرا ما نحتضنهم فنكتشف أنهم هم من يحتضنوننا
نحاول أن نرعاهم ، ثم نجد أننا نحن من بحاجة إلى رعايتهم

تلك البسمة المليئة بالبراءة و الفرحة المليئة بالصدق و الدمعة التي سرعان ما نتغلب عليها فيهم ..

ببالي طفل يجعلني أنسى كل همومي فقط إن نظرت إليه منذ يوم ولد و عندما كبر و أصبح يظن أني أمه .. أصبحت أرتعش عندما أسمع اسمه و أصبح بئر اسراري مع أن أبناء السنة لا يفهمون حرفا مما أحكي ..

تشرق الشمس حتى بدوننا .. لكن ابتسمي للحياة دائما و كوني قوية .. فعندما تشرقين ، تزداد الشمس إشراقا .

في انتظار جديدك دائما :))
دمتِ طيبة .

swordrows يقول...

صدقت : الألم عندما يصيب القلب المؤمن يجعل الروح ناضجة معطاءة

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

نظرة عميقة للأمر يا سناء

إرسال تعليق