الأربعاء، أكتوبر 10، 2012

سَفَرٌ مُرَكَّبٌ (تدوينة أخيرة)



زرع أبي يومها نخلة في أرضنا و أطلق عليها اسمي، كانت نخلة صغيرة بحجم معرفتي بالدنيا، بحجم تجاربي و بحجم طموحاتي حينها. حملني بين ذراعيه و وضعي تحت شجرة أركان عجوز و كأنه يقول لي هنالك نبني و نشيد و نطمح لكننا نعود دائما إلى جذورنا و أصلنا الذي لا يقل أصالة و ضربا في الزمن عن شجر أركان. 

كان الجو ممطرا ذلك اليوم و كان عمري حينها يشرف على العشر سنوات، طبع على جبيني قبلة و تركني تحت تلك الشجرة و أوصاني أن أنتظره، ما إن انصرف حتى بدأت قنابل رعدية تتفجر في السماء، خفت و صرخت "أبـــــــــــــــــــــــــــــي ... !!"، و كأن صرختي أصابت السماء بالهيجان فألقت قنابل أكثر قوة تتفجر هنا و هناك، يزعزعني صوتها فأصرخ و أجري، ضعت في حقل الفول، كلما سمعت الرعد "يلعلع" في السماء جريت أكثر و أكثر و صرخت أكثر و أكثر و تهت أكثر فأكثر.

سمعني أحد العمال فجرى إلي و أخذ بيدي و قادني إلى حيث يوجد أبي، جريت إليه و ألقيت بنفسي في حضنه، بكيت بحرارة و قلت له بصوت يقطعه الألم "لماذا تركتني؟ لماذا؟ لماذا أبي؟" لم أكن أعرف حينها أن هذا السؤال سيتكرر كثيرا في حياتي على لساني و على مسمعي ...

أبي قليل الكلام، لم يقل شيئا حينها و إلتزم الصمت، عشت سنين طويلة لأفهم أنه كان يحبني كثيرا لدرجة أنه كان يأخذني كل مساء لنتفقد أحوال أحب الأمكنة إلى قلبه، كان كل يوم يسحبني من تلك الأحياء المتراصة البنيان و يجعلني أسافر في الزمن و الجغرافيا لأعيش دائما بنظرة ثنائية الأبعاد لم أكن أستوعبها في ذلك الحين.

بعدها بثلاث سنوات كان أبي يثق بي لدرجة أنه كان يغرسني على ظهر فرسه الذي لا يركبه غيرنا، و يضع في يدي عصا طويلة و يأمرني أن أتفقد الحقول  المتناثرة هنا و هناك، و أتفقد المواشي التي ترعى و اتفقد المياه التي تجري لتسقي حقول الخضر و الفواكه. مرت تسع سنوات بسرعة لأجد نفسي في حقل أخضر مترامي الأطرف، فرنسي الهوية و في يدي عصا "غولف" بدل عصا الراعية. ذلك اليوم أدركت أن شيئا قد تغير.

أدركت أنني كنت قريبة جدا من الواقع و من الحياة و من بيتنا و صرت على طريق المادية التي تقتل القلب، بين أشخاص لم يستنشقوا التراب كما فعلت، يمسكون بعصي غالية جدا تساوي أحلام أسر و شباب في بلدي، لكنها لا تليق لشيء غير جلد كرة و إلقائها بعيدا، كما يجلدون أخلاقهم بين كؤوس الشمبانيا و كما يستنزفون في كل يوم السواعد العاملة و يلقون بها جثتا هامدة بعد أن ينهكها العمل و الزمن... تماما كما يلقون بكرة الغولف تلك.

أدركت أن عصا الراعية -التي"يستعر" منها بعض الناس- أكثر فائدة من عصي الغولف التي تكلف الملايين، فقررت أن أنسحب من ذلك المجتمع.

عندما قررت أن يكون ثاني عيد أضحى لي في فرنسا مختلفا عن سابقه، أردت حينها أن أكسر قسوته و وحدتي فيه فكسرت نفسي. استثمرت الكثير من الجهد لتأمين خروفين و تأمين ذبحهما و طبخهما و صنع ما يقارب خمس مائة وجبة قصد توزيعها على الطلبة و جعل المسلم و غير المسلم يفرح معنا بعيدنا.

 كل شيء أصبح جاهزا و معبأ في سيارة، اتصلت بالمسلم المتدين الذي وعدني بتوزيع نصفها فجاء حمل وجبتين فقط و ترك البقية لسبب لا أعرفه لحد الآن، تخلى عن وعده و تركني غارقة في وجبات ليلة الامتحان البيني. قضيت كل تلك الليلة في توزيعها، كنت أقود السيارة بعصبية و عنف شديدين،  أقف هنا و هناك، حيث ما ظهر لي الفقر أقف و أعطيهم حقهم من عيد خُلق لهذا الغرض.

 انهيت توزيع كل شيء مع الساعة الرابعة و النصف صباحا و ذهبت مع الساعة الثامنة أغالب التعب و  الغدر لحضور الإمتحان، كان في شكله امتحان دراسي و في مضمونه امتحان الحياة في أبشع صوره.

علمت حينها أن لا مكان لي بين هؤلاء و لا أولئك، كانت فكرة السفر تسيطر علي بشكل مَرَضِي، أسير طويلا و كلما توقفت أدرك أنني لم أصل إلى ما أبحث عنه، أعيش كالشموع تنتحر في صمت كي يعيش النور، تستثمر كل شيء في نور قد تطفئه نسمة ريح أو "نفخة" ظالمة، أعي جيدا أنني أهدر شبابي في سبيل أشياء أكل الدهر عليها و شرب.

عشت تجارب مميزة قهرت بها الدنيا و قهرتني، في كل مرة كنت أصارع كي تظل صفة الإنسانية تطفو على باقي صفاتي، كثيرون لم يفهموا هذا.

لو فهم أخي يونس ذلك ما كان لينزع نخلتي حيث وَجَدَتْ الحب و الصفاء، لو فهم ما كان ليجرح أبي و يقتلني في صمت، لكنه فعل و انتزعها من ذلك المكان و غرسها في مكان آخر ... فماتت و ماتت بها قطعة من روحي.

لو فهمت صديقتي ليلى أنني أتعمد البساطة ما كانت لتعتبرها تقليلا من النفس، و متى كان القرب من ضعاف الأرض ضعفا؟

حاولت أن أبتعد عن كل هذه الأشياء المعقدة، لكن فهمت أن الحياة كالتويتر، لا تتوقف عن متابعة شخص بكبس زر، بل تزوره في صمت بعدد المرات التي تتذكره فيها في يوم طويل مر و مؤلم.

الآن و بعد كل هذه السنوات، أحسست بما أحسست به ذلك اليوم، جريت و صرخت أنني أحتاج حضن أبي فلم أجد من يقودني إليه، فهمت حينها أنني لم أبني نفسي كما فعل، لا يعرفني أحد خارج امبراطوريته الإجتماعية، فهمت أنني يجب أن أصنع نفسي حتى أستحق اسمه ...

هامش :

هذا الأسبوع سأطفئ شمعتي الثانية في عالم التدوين.

إلى كل المتميزين الذين قابلتهم في هذا العالم القائم بذاته و إلى كل القراء الأوفياء أرسل باقة عرفان و محبة، إليكم كلكم أرق تحية و أعذب سلام

أضع الآن نقطة النهاية على أول تجربة تدوينية شخصية، سآخذ وقتا لاستيعاب دروسها.

قد أعود هنا يوما ما ... أتمنى ذلك ...


17 تعليقات:

مدونة مفيـد يقول...

رائعة كتاباتك..أقْبلها كما هي دونما أدنى محاولة للتأويل أو الفهم أكتفي منها بجمال اللغة و التعبير و أأخذ العِبَر.
فقط أشهد لوجه الله أن صفة الإنسانية تطفو على باقي صفاتك كل من عرفك بحق عرف هذا الأمر.
جل الناس لا يعرفون أو بالأحرى لا يعترفون، دعيك منهم لا شيء يهدر كل الصالحات عند الله تحفظ.
أما بخصوص تركك للتدوين فأنا لا أنصحك بهذا أبدا و لي عودة للحديث حول هذا الأمر.

Nordax يقول...

__ أكدتِ لي ما قلتُ لكِـ يومـاً على التويتر : 'شخصيتُكِـ قوية يمكنُ أن تتحملَ ما يراهُ الآخرون في نفسِ وضعيتكِـ، مستحيلَ التحمل' .. !
من الأشياء التي أحبها فيكِ أن تمتلكينَ قوة للبوحِ بما يخالج صدركِـ، و يثقلُ كاهلكِ .. !
أدامكِ اله قوية و متغلبةً على جميعُ امصابع التي تعرقلُ سيركِ نحو ما أنت في الطريق لتحقيقه .. !

عيدُ ميلادِ عرشٍ تدونيٍّ سعيد مسبقاًإن، وشاء الله لن تكون التدوينة الأخيرة كما أراها .. !

مررتُ من أحلى مدوَّنة لألطف مدوِّنة :)
هنا كنتُ ^^

Marrokia يقول...

تبا لك يا سناء
أنهيت تدوينتك ولم استطع انهاء سيل الدموع الذي تسببت فيه
..

محمد أبو عز الدين يقول...

بقدر الفرح والغبطة اللذين احسست بهما و أنا أقرا بداية تدوينتك كان حزني و قلقي بعد نهايتها ، تجربتك مميزة جدا أختي و قرار توقيفها ولو مؤقتا قرار لا أوافقه مع احترامي لرأيك ...
لغتك و أسلوبك و أفكارك مميزة استمتع كثيرا بمتابعتها..
لا تفقدي الأمل فما دمت في الطريق الصحيح سوف توفقين مهما كانت العقبات و المتبطات
وفقك الله أختي سناء

حنان يقول...

ما أقرب حروفك إلى القلب يا سناء
تدوينتك هذه لها طعم خاص لا أكاد أميزه، طعم حلو بحلاوة ذكريات الطفولة البريئة و آخر مر بمرارة الغربة ، غربة النفس و الوطن ،
شمس أنت في سماء التدوين فلا ترحلي و إن كان لابد فلا تطيلي الغياب
كل عام و أنت أطيب مدونة :)

على قدر حلمك تتسع الارض يقول...

يبدو اني اقرأ لك لأول مرة ويصادف انها اخر تدوينة... احسست من خلالهاانك مميزة جدا، سواء كمدونة من اسلوب وغيره، او من نبل تلك الاخلاق التي تتحدتين عنها، هو المغرب جميل جدا في عيون المتغربين عنه، ونحن هنا نحتاج للكثير لنتعلم هذا الحب فنسقيه بدمائنا ليرتوي ويرتقي

ليتك لا تتوقفين عن التدوين اختي :)

إيمي يقول...

ذكرتني بالأغنية التي تقول
يا ريته قال هيروح يغيب و لا كنش قال بقى له حبيب

تتركيننا ؟
سيفتقدك عالم التدوين ..
و ستفتقدك مدونتك ..
سأفتقدك أنا و كل المدونين حقا حقا ..
لم أقابلك يوما و كنت أتمنى ذلك بصدق ..
لا أدري .. لكن ما نراه شرا هو خير أحيانا ..
جيد أنك قلت قد أعود ..
فإن عدت ستجديننا في استقبالك كما العادة مرة أخرى ..
كان لك أسلوب خاص و تدوينات حصرية لا يمكن أن نقرأها في أي مكان ..

ما جعلني أحب مدونتك كثيرا و أقرأها كلها تقريبا ..
هو أنك كثيرا ما عبرت عن أحزان لم تستطع كلماتي البوح بها لا على مدونتي و لا حتى لنفسي ..
كنت أشعر كثيرا بآهاتك و كأنها آهاتي ..

سعيدة لأني في هذه المدة القصيرة .. لأني جئت متأخرة .. تعرفت على مدونتك ..
و جمعتني بك نقاشات على صفحة الملتقى .. و على صفحتك و على تويتر ..
أتمنى أن أراك دائما دائما دائما بخير ..
و تأكدي أنك لم تمر من حياتي أنا شخصيا مرور الكرام .. خلفتِ آثار كثيرة و جعلتني مرات كثيرة دون أن تشعري أن أعيد التفكير ..
فشكرا لكِ ..

و كوني دائما سعيدة و دمتِ طيبة و مبدعة و امرأة غريبة لكن ذات مبادئ و أخلاق و صاحبة قضية لا تهزمها الجبال ..

تحياتي لك .. مع أني وددت لو لم أتوقف عن الكتابة في هذه اللحظة ..
لأني لا أنهي كلامي عادة في لحظات الوداع ..
على الأقل وداع مدونتك ..
لكني سأمر هنا مرارا و تكرارا إن تركتِ مدونتك مفتوحة ..

آخر شيء .. سترحل عنا امرأة غريبة من هنا و هناك .. لكني أتمنى أن تتذكر دائما حتى و هي بعيدة عن هذا المكان و عنا .. أن طوبى للغرباء !
فابقي دائما غريبة :))

مثال يقول...

"أليمة إلى اللقاء.. وتصبحون على خير.. وكل ألفاظ الوداع مُرة.. والموت مر.. وكل شيء يسرق الإنسان من إنسان.." -عبد المعطي حجازي-
سنتشتاق لقلمك المرهف يا سناء.. فتبا لكل ألفاظ الوداع..

عبدالعاطي طبطوب يقول...

عيد ميلاد سعيد لسنتين من التدوين الغني بما تم طرحه
ومشاركته من مبادئ وأسئلة ومواقف.. ما سيجعل فكرة التدوينة الأخيرة غير مقبولة.. أفضل أن تكون نقطة ورجع للسطر:)
فالمبادئ والمواقف والأسئلة تتطلب المواصلة وعدم رفع العلم الأبيض الصغير..وأن نسير ولو وحدنا في العاصفة وتحت الرعد..عوض الجلوس بأمان خلف الزجاج النافذة.

لاتــــي يقول...

مرحبا صديقتي سناء

هي هكذا رحلة الحياة محفوفة بطعم الحلو والمر معا
مليئة بالتقلبات والعواصف الصغيرة والهوجاء،
لكن بدونها ما كان لاي شئ آخر من معنىً..
صديقتي الفارسة
يمر الوقت الجميل سريعا سريعا جدا
ونحس بالمر نترجعه ثقيلا ، وبالألم يزورنا كلما طاب له
لا يغفلنا..الا يراجعنا !
لكنها مرة اخرى تلك سنة الحياة التي تشكل شخصياتنا
وترقى بارواحنا .
من خلال قراءاتي لك كنت احس بالفخر بك
وبانتمائك وانتمائنا معك..
لكن ببعض الخجل حينا ورغبة في السير بمحاذاة درب النجاح والتميز التي زرعتها لنفسك..

صديقتي المميزة سناء
اؤمن بان المتوفق ، الناجح، المتميز بخلقه ومبادئه
مثلك
سوف يعرف طريق اسعاد من حوله وافادة غيره
باي طريقة..
والتدوين العربي يرفع عاليا ماشاء الله
مادام هناك قلم وكلمة وتفكير
مثلك..
واؤمن بانك سوف ترتاحين، سوف تتغير بعض الظروف
وسوف تحنين الى ما صار جزءا منك وصار وسيلتنا
في الحياة.
اتمنى حقا ان لا تتوقفي عند حدود السنتين..
التي صنعت فرقا كما قد تلمسين.

موفقة دايما في جميع مناح حياتك سناء

غير معرف يقول...

Tellement fort, tellement bien dit, bien construit, tes mots bien choisis, tes idées bien enchaînées

Je te félicite pour ton talent

Je ne cache pas ma douleur profonde d'apprendre que tu vas quitter ton jardin

tu vas nous manquer grave Sanae, et tu le sais
Tu le sais

On t'aime et on te respecte beaucoup Sanae, saches que tes mots resteront en permanence dans nos coeurs et nos pensées

gros bious

Layla

ابو تركي يقول...

اشكركم اعزائي

مهاجر داز هنا يقول...

بدون تعليق ...-_- عيدك مبارك سعيد بنكهة غربية ...

Sirine يقول...

والله أبكيتني يا سناء ..

هشام يقول...

رائعة ..
أعرف أنك ستعودين للكتابة .. إلى ذلك الحين لك تحياتي ..

hanane__ يقول...

تدوينة رائعة سناء
احسست في مقاطع كثيرة بأنني انا التي تتكلم
حينما نسافر يا سناء نفقد ملكيتنا للمكان فلا 'من' تستوعبنا و لا "إلى" تتقبلنا
لا نملك الا تذكرة السفر

Halhoul Badr يقول...

سننتظر عودتك بالجديد أختي بكل شوق

إرسال تعليق