الخميس، يناير 10، 2013

تأمل و رسائل مباشرة !!!



قبل شهرين تقريبا تركت كل شيء ورائي في ذلك المكان الذي يفديه إخوتي في الوطن بحياتهم طمعا في حلم كاذب، حلم لن يتحقق و قد ترصدته الحكومات الأوروبية بحزمة من قوانين لا تعترف بهم كأجناس آدمية على ترابها. تركت كل شيء بعد خمس سنوات من الغربة و عدت و في يدي كل ما رحلت لأجله. شواهد و تجارب مهنية و الكثير من التجارب الإنسانية. تجارب جعلت قلبي قادرا على أن يحول حطام حلم تكسر إلى أحلام تنبث و تتكاثر بعدد جزيئات الحطام.


كل يوم ألم في الغربة لم يرحل قبل أن يعلمني درسا و ينظف قلبي من أوحال الدنيا و أوساخها، فلا شيء يجعل الروح كبيرة وارفة غير قصة ألم كبيرة.

عندما رحلت من هنا، كنت أبحث عن الخلاص من سنة سيئة للغاية، كنت متعبة حد الثمالة و مستاءة حد الإكتئاب. عندما قررت الرحيل، كانت في قلبي جراح كثيرة و غائرة، غرقت فيها و بكيت بحرارة و ظننت أنه تلزمني سنين طويلة كي يندمل فقط واحد منها، في تلك اللحظة نسيت أنني انسانة قوية، قوية بما رأيت و بما واجهت و بما حافظت به على نفسي ... روحا و جسما. و حتى و إن لم أكن قوية فعلى الأقل ايماني بقدرتي على النهوض يساعدني كثيرا.

عندما عدت إلى وطني كنت كمن وجد واحة بعد سنوات طويلة من العطش و التيه في الصحراء، عدت إلى وطني فضمتني تلك الصدور بقوة، عجبت للبعد الذي لم ينجح في انتزاع صورتي من ذاكرتها، اختفى العجب عندما فهمت أنني عندما رحلت عنها رحلت بذكرى طيبة.

نصف صورة :

عندما خرجت من بيتنا أول مرة قبل سنوات، خرجت بحقيبة ثقيلة ... ثقيلة جدا

رسائل حب  :

ـ وقفت أمام التلفاز، قفزت كطفلة ترى هلال العيد و بكيت كطفلة لم يشرق وجه أمها في الصباح و ضحكت كطفلة تستلم هدية أبيها ....
 كنت طفلة بكل أبعاد هذه الصفة. عرفت أنني طفلة في حب الوطن عندما رأيتها ذلك اليوم عجوزا وقورة في حبه ... تلزمني مراهقة متعقلة و شباب يفيض عطاء حتى أصبح جديرة بهذا الوطن ... ربما أصبح عجوزا في حبه مثلها ... أتمنى

ـ وقفت أمام بيتي بحيْرة و ألم كبيرين، تسمع صوتي يرتفع و ينخفض، تحير فيه هل هو أنين أم غناء؟  وفقتُ أمام نافذتي أراقب رحمة السماء التي تنزل عليها، لم تكن قطرات المطر تلامس رؤوس البشر، كأنما كانت تهبط و لا تقصد غير الأرواح النقية. راقبتها طويلا و انتظرت طويلا حتى فهمت أن تلك الروح كانت واقفة لأني أهمها ... هي أيضا تهمني

 ـ سقطت العين عن "سعيدة" فضمتني أمي و قالت "لم تعودي سعيدة يا عيني و ابتسامتي" أجبتها بحب هادئ 'إن سقطت العين فلأني أصبحت "سيدة" ...
سيدة في ذمة نفسي و سيدة لنفسي و سيدة على نفسي ... لا سيدة على الحق (كما أراه) و لا أَمَة للظلم (كما أراه) ...

رسائل عتاب  :

ـ امتدت أنامل من استؤمنوا على أمان الحقائب في مطار في وطني لتسحب أجهزة إلكترونية، سحبوا من خلالها ليالي طويلة من العمل و السهر و التعب على موضوع دكتوراه في الاقتصاد. كسروني و جرحوني... فكان الجرح جرحين: واحد في القلب لأن من اغتصب تعبي أخ لي في الوطن و واحد في الذاكرة... يبقى الأثر في الذاكرة فقط

ـ وقفت أمامي تسب الحزب الحاكم و تبكي الوطن، رفعت عيني إليها و قلت "ألم تخوني ذلك الرجل الذي أحبك بصدق و صانك بحق؟ ألم تحولي يده النقية التي امتدت إليك في الحلال إلى يد يحمل بها السم إلى جوفه؟ أتقتلين الإبن و تبكين الأب؟ و ما الوطن إلا أبناءه؟ ... كيف لقلب مريض أن يدرك للحب معنى؟

ـ توالت الأيام حتى رأيت من كانوا يسبون الفساد جهرا يسرقوننا سرا، سترناهم فرموننا بذنوبهم من خلفنا و في غيابنا. توالت الأيام حتى رأيت ما حسبناه أرضا كبيرة لأقلامنا ليس إلا ساحة تتنافس عليها النفوس المنتفعة.

قرار أخير :

سوف أعود لأن ما يفصل "الألــــــــــــم" عن "الأمـــــــــــــل" ... حرف أخطأ مكانه ...

و اكتملت الصورة...

عندما خرجت من بيتنا أول مرة قبل سنوات، خرجت بحقيبة ثقيلة ... ثقيلة جدا، و الآن أسافر بحقيبة خفيفة...خفيفة جدا لأن كل الثقل تحمله نفسي ... و نفسي يحملها الحب ...

طوبى لمن ملأ الحب قلبه... حب يجمع الأرواح لا الأجسام... 


24 تعليقات:

مثال يقول...

سيدة الحروف خرجت من سباتها الخريفي أخيرا.. :)
سيدة الحروف أنت.. وساحرة تهيم بأوتار قلوب قرائها..
كلمات سهلة ممتنعة، فلماذا تتعبين نفوس قرائك المرهفة، رفقا بهم عزيزتي..
سردت رحلة عمر في أسطر قليلة، لكنها ثقيلة مرهقة لإحساس القارئ، لأنها عميقة ومُغرقة في المعاني..
رسائلك دائما ملغومة.. فترفقي بنا.. :)

leila shadin يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
leila shadin يقول...

{ سوف أعود لأن ما يفصل "الألــــــــــــم" عن "الأمـــــــــــــل" ... حرف أخطأ مكانه .. } ... اود فقط القول أنك لم ترحلي لتعودي , كانت فقط فترة نقاهة من جروح الله و انتِ اعلم بها .. اظن انك ادركتِ فيها ان لا شفاء لك منها الا بالكتابة :)
انتِ الافضل :)))

محمد ايت دمنـــات يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
محمد ايت دمنـــات يقول...

السلام عليكم
طوبى لنا بعودتك و نرجوها عودة بمسحة الامل و بعزيمة تدحر كل الكبوات و تضمد كل الجراح
قلت اشياء كثيرة يحتاج كل منها لموضوع خاص...و هكذا حال كل مهموم بقضايا هذا " الاب " الوطن الذي اثخن بالجروح وبمسميات كثيرة...
تحياتي اختي سناء
ا

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

كتبت يا سناء ما يدعو إلى التأمل والتفكر، وإعادة ترتيب أفكار... أكيد أن كلامك هنا مؤثر للغاية، خاصة حين تعلني أن من كانوا يسبون الفساد صاروا يسرقوننا سرا، وأن المكان الذي حسبناه أرضا لأقلامنا ماهي إلا مساحة تتنافس عليها النفوس المنتفعة. غير أنك أشرت إلى الكل، وفي الاشارة إلى الكل مضرة للبعض، ففي التعميم دائما وجه للظلم قد لا ننتبه له.
المهم وطنك بنفسه يحبك وليس بصلاح أبنائه أو بفسادهم، وطنك مازالت روحك له تتوق، وأنت تعودين إليه لأنه منبتك وحضن تجدين فيه ذاتك وانتماءك.
أرجو لك التوفيق أخي الكريمة.

مغربية يقول...

سناء
سأكذب عليك ان قلت بأنني أجد تعليقا لما كتبته،
حتى الكلمات لم تطاوعني
فقط وجدت دمعاتي تنزل وأنا أقرأ ما خطته أناملك
سناء، عدت من جديد وأن لم تغيبي عني
عدت لتبكيني أيتها الشريرة
فتبا لك

إيمي يقول...

سناااااء .. أجمل ما حدث لي اليوم أني قرأتُ تدوينتك ..

دائما أحب قراءة تدويناتك لأنها تحمل في طياتها إحساسا يشبهني ..

سعيدة جدااااا بتدوينتك هذه و كما قالت سناء أكذب إن قلت أني وجدت لها تعليقا ..

فقط سعيدة .. سعيدة جدا بك و لأجلك ..





مدونة سعيد يقول...

أهلا بعودتك أختي سناو

Don Hibo يقول...

جميل ما قرأت هنا وإن كان يدمي القلب
لكن اعجبني الحرف وغموض الحرف
اثارتني رسائلك .. اثارت فضولي فاعذريه

قلمك مبدع دوما ولطالما ما تمنيت رحيلك
بالتوفيق سناو في حياتك

خالد زريولي يقول...

قراءة واحدة عابرة لا تكفي..
بدأت مروكية الغارة برسائلها القوية، وها أنت تواصلين القصف..
شهيق عميق ثم تنهيدة طويلة.. هذا ما كان تعليقي أمام الشاشة

samira يقول...

كل فقرة كأنّها مشهد سينمائي عميق، مثقل بالأحاسيس والهواجس، وبين البداية والنهاية فكرة نضجت بدنوها لعين القارئ (أو المشاهد) :)
حظاً وافراً أخية ومسيرة موفقة يا ومضة الأطلس الجميل :)

سميرة يقول...

كل فقرة كأنّها مشهد سينمائي عميق، مثقل بالأحاسيس والهواجس، وبين البداية والنهاية فكرة نضجت بدنوها لعين القارئ (أو المشاهد) :)
حظاً وافراً أخية ومسيرة موفقة يا ومضة الأطلس الجميل :)

محمد ملوك يقول...

رسال مباشرة من مدونة صادقة وثابرة
وهي ليست رسائل عابرة
بل هي رسائل مباشرة
واللبيب من يفهم بالإشارة
والعتاب هنا حق لك فأصعب شيئ في الوجود إحساس الخيانة وتذوق الغدر خاصة ممن لا ينتظر منه الخيانة والغدر
رسائل العتاب كشف للحجاب وتوجيه للأحباب والأصحاب
حتى لا يصدقوا كل ما يردد من شعارات أو يكتب من كلمات
صدقين إني أشعر بما تشعرين به وزيادةفلطالما حمل جوفي نفس العتاب لأنني في كل مرة أغدر ممن أعتبرهم أعز الأصحاب
لكن حسنا فعلت أن قررت الاستمرار
فخير رد على الغادرين
الاستمرار وفق منهج قوي متين
تحية ملؤها التقدير والاحترام والتضامن

ريهام المرشدي يقول...

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
مرحبا بعودتك، كلماتك رائعة و معبرة ، أوجعني إحساسك بالخيانة أسأل الله أن يعوضكِ خيراً و لكنك كما قلتِ ،
سوف أعود لأن ما يفصل "الألــــــــــــم" عن "الأمـــــــــــــل" ... حرف أخطأ مكانه ...
ضعي الحرف في مكانه :) و إن الله لا يضيع اجر من أحسن عملا ... دمتِ بخير ...

حنان يقول...

رسائل مبهمة تحمل آلاما و جروحا عميقة و نهاية جميلة تحمل أملا و إصرارا و عزما على التحدي و المضي قدما ... و لأنني أحبك و أحب حروفك المنسابة هذه لن أهتم سوى بالنهاية كي أسعد بعودتك تماما كما سعدت بلقائك و الدردشة معك أيتها الرائعة
إلى الأمام أيتها الفارسة، أمامك حياة أجمل :)

morhac يقول...

لا اعرف اي نوع من الكلمات التي يمكنها ان ترد على ما خططتيه.. كل ما استطيع قوله هو: مرحباً بعودتك :)

Hicham يقول...

سناء ،
كنت أعرف أنك ستعودين .. لأن لوثة الكتابة لا شفاء منها ..
كتابتك جعلتني أحزن .. أنت تكتبين بقلبك .. بقلب نقي ..

غير معرف يقول...

أحبك و أحب قلمك حبيبتي و أختي الصغيرة

مهاجر داز هنا يقول...

وصلت لهاد الطرف " امتدت أنامل من استؤمنوا على أمان الحقائب في مطار في وطني لتسحب أجهزة إلكترونية، سحبوا من خلالها ليالي طويلة من العمل و السهر و التعب على موضوع دكتوراه في الاقتصاد. كسروني و جرحوني... فكان الجرح جرحين: واحد في القلب لأن من اغتصب تعبي أخ لي في الوطن و واحد في الذاكرة... يبقى الأثر في الذاكرة فقط ..."
اش أودي أنقولك ...الله غالب و بالتوفيق إن شاء الله في القادم ...
واحد أخر مجلي معك في القارة العجوز ..تحياتي

Mounir يقول...

سعيد بعودتك, و سعيد ايضا لانني كلما فرات كلماتك هنا اشعر بصدقها و جمالها
بالتوفيق

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ مثال : لم أجد ردا على تعليقك ... شكرا على ما تخصصينه لمدونتي من وقت في اقراءة و النقد ... شكرا


@ ليلى : صدقت ليلى ... لا شفاء إلا بالكتابة ... أنت رائعة على فكرة ... تشرفني متابعتك


@ محمد : اعتذر على التدوينة السابقة التي آلمتك ... و ها أنا أعود ... كيف أصبر على فراق قراء من حجمكم ... شكرا لك أخي و دامت لك الصحة و العافية


@ رشيد : أنت أعلم بقصدي ... أعتذر في تقصيري و أشكر مرورك الكبير جدا في عيني ... شكر لك أخي رشيد


@ مروكية : دمعتك عزيزة ... دمت صديقة في الشدة و الرخاء ... دمت طيبة كملائكة الدنيا ... دمت صديقتي و أختي التي لم تنجبها أمي


@ايمان : و أنا سعيدة جدابك و بمرورك ... إيمي الرائعة و النشيطة


@ سعيد : اهلا بك كذلك، شكرا


@ هيبو : و ها قد عدت ... لا تقلق و عذرك مقبول .. شكرا لك هيبو على كل شيء


@ خالد : شكرا على مرورك ... رسالة مروكية كانت أقوى ... شكرا لقراءتك المتعمقة


@ سميرة : شكرا لك ... اعجبتني ومضة الأطلس ... أعترف انها بالعربية احسن ... شكر لك سميرة


@ محمد : شكرا محمد ... كل ما كتبته صحيح و عشته بطريقة او اخرى ... شكرا لتواضع أخي المحترم و شكرا لزيارتك و شكرا على كل شيء


@ ريهام : زيارتك وسام يشرفني ... شكرا لك ... تبا لكمة "شكرا" التي لا تحمل كل الشكر الذي أريد التعبير عنه


@ حنان : سعدت أيضا بقائك و الدردشة معك و ها انا عدت كما وعدتك ... انت الأروع ... انت الأجمل ... شكراااااااا


@ عرين العراب : نهار كبير هذا .. زيارة للتاريخ ... شكرا لك أيها القنيطري الأصيل ... تشرفت بقدومك إلى واحتي ...


@ هشام: ظل المساء الرقيق، قلبك أيضا نقي ... شكرا لزيارتك و لم أخيب ظنونك ... و عدت ...


@ غير معروف الذي اعرفه، سأبقى دائما أختك الصغيرة التي لقنتها الحرف على طاولة الاخوة ... أحبك حد الإدمان أخي


@ مهاجر : شد شد المهاجر داز هنا ... متى تعود أنت أيضا ...


@منير بنصالح : ثم إني تشرفت بمتابعتك ... و سعدت لأنك تتذوق كلمتي و تتمعن فيها ، مبروك الإصدار الجديد و بالتوفيق أيضا ...


كم سعدت بمروركم!!

أمال يقول...

كلام فيه عمق أعجبني

Mony Hussein يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.

إرسال تعليق