الاثنين، يناير 28، 2013

نقاش وِدي !!




بعد غيبة طويلة في الغربة، عدت أطوي المسافات و أقتل الشوق و أصل الرحم، ليلتها استقبلني و أكرمني أشد الكرم إلى أن سمعنا صوت طفل يبكي، علق على أنه طفل لأم عازبة تقطن بجوارهما. استفزني ذلك التعليق، قاومت غضبي بصمت و تأمل و انتهيت إلى أن كلامه يلزمه رد فوري، فقلت :

- "مبدئيا أحترم كل أم عازبة، لأنها حضنت فلذة كبدها و لم تتخلص منها لترضي المجتمع"

رد بسخرية تفيد أن منطق تفكيري غير مفهوم، فقلت له بعدما تصدقت عليه بابتسامة مجروحة:

ـ بعد عمر طويل ستقف هذه السيدة أمام الله عز و جل، لن يحاسبها على "جريمة" الأمومة و إنما قد يحاسبها ـ هي و ذلك الرجل ـ على خطيئة اشتركا في اقترافها كما سيشتركان في عقابها. بل ربما يرحمها الله على فعل أمومة أدته و أحسنت، و يعاقبه على أبوة تنكر لها. فقط عدل الله يشفي الجراح.

أجاب بعصبية :

ـ أنت تتكلمين عن دين لا تفقهين فيه شيئا ... بْلَا بْلَا بْلَا ... لا تطبقينه ... شوفي غير راسك ... بْلَا بْلَا بْلَا غادي تحرقي شعرة شعرة على هاذ الشعر للي عاجبك و طلقاه ... بْلَا بْلَا بْلَا أنتِ أصلا مزعزعة عقيدتك من ديما و زادت كملات عليك فرنسا ..

لم يعجبني رده البعيد جدا عن إطار النقاش، أحسست به يبتعد شيئا فشيئا، ثم يندثر و تتلاشى ملامحه ... ثم ينتهي. انتهيت من نقاشه بقرار نهائي في تلك اللحظة، و ألقيت بالألم جثة ثقيلة على قلبي، و أنا أتدبر كيف يناقش "خريج دراسات عليا" دينه، ماذا ننتظر من الأقل تعليما؟ أو من الأمي؟  

تذكرت نفسي في أول سنة لي في فرنسا، كنت أخرج "منتصرة" في أغلب النقاشات التي أخوضها حول الاسلام "بتخراج العينين"، أي بقمع الآخر بجواب يسكت لكن لا يضمن اقتناع الطرف الآخر أو على الأقل احترامه لمنطق تفكيرنا... وكأنني كنت في حرب. لم أكن أدرك حينها أن الانتصار الحقيقي هو أن يقتنع محاورك بوجهة نظرك أو تدفعه للتدبر و البحث بما يفيد أن كلامك أثر فيه، أو على الأقل أن يحترم وجهة نظرك حتى و إن لم يقتنع بها.


فكرت في كلامه عن تبرجي، ابتسمت و أنا أواجه نفسي بحقيقة مضحكة مبكية، فلا أرى على جسدي تضاريسا شاهقة تستوجب تدخلا سريعا لاخفائها، كل ما أملكه جسم ضئيل قهره الزمن، أَلفُّه كل صباح في ملابس شبه أنثوية لا تبدي عظامي البارزة و أسير برأس مثقل بهموم أحبتي، منكسر إلى الأرض لا يحمله إلى الحياة إلا كرامة سكنت أنفه أستنشقها عزة و أفرغها حبا حبا. (لا أنكر هنا أن الحجاب فرض واجب لكنه فكرة و فعل نسبي تحكمه القناعة و النية قبل كل شيء).

نظرت لما على الطاولة من طيب الأكل و الشرب، وددت أن أقول له أن الكرم الروحي و الأخلاقي و الفكري أشد أثرا و أبلغ و أبقى عملا.

صمتّ و أسررت لربي أننا أبتلينا في ديننا بأمرائه و تجاره و سفاحيه و جزاريه، أبتلينا أشد البلاء، بلاء أتعبني و أرهقني جدا، نظرت لأمم نساؤها شمس تملأ المكان دفئا فيما نساؤنا لَسْنَ إلّا عود ثقاب خُلق لِيَحترق في لحظة لذة في أعين مجتمعنا.

سألت ربي فرجا قريبا، تذكرت الحفرة التي تنتظرني و قلت في قرار نفسي "حتى و قد كرهتها النفس ... فهي ... كذلك فرجٌ"



11 تعليقات:

Don Hibo يقول...

اعجبني وصفك يا سناو ... دقيق :)

الحوار الديني ماذا اقول
اصبح اكثر المواضيع التي تجدين فيها الذي يهب ويدب داخل فيها
يوميا يتحاور من يضنون انفسهم فهيمي في الدين وكل يوم ابحث في قوقل عن ما يتجادلون حوله وكل يوم فكرة

دائما يا سناو سيطاردك شبح الحجاب ... دائما سيكون سببا في جهلك بالدين حتى وان وصلت بك درجة كبيرة من المعرفة به

موضوع كما العادة رائع من طرفك سناو
دمت مبدعة

مهاجر داز هنا يقول...

كان هنا :)

مدونة سعيد يقول...

تحياتي لكي سناء أعجبني النقاش
كنت هنا

leila shadin يقول...

لا ادري لم يعتقد الاخرون و خصوصا الرجال منهم انهم الادرى بالدين .. و الاكثر منه يقيمون درجة ايمانك حسب مقاييسهم !! ما اوسع الهوة بين الاسلام و مابين الدين الذين يدينون به !
تدويناتك تجعليني افكر ..
تحياتي ^________^

مثال يقول...

تعرفين رأيي في الموضوع.. الحجاب ليس فيزا تدخلك الجنة، وليس ترمومتر لقياس درجة إيمانك، في حياتي قابلت محجبات يخجل الشيطان من أعمالهن، وقابلت سافرات يخشين الله.. وهو وحده العالِم بخبايا الصدور.. وحتى لا يُفهم كلامي خطأ فأنا لست ضد الحجاب.
كفانا من التشدق بالدين، فديننا دين عمل وأخلاق، مصداقا لقول رسولنا الكريم "إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"
وقوفك عند هذه الفكرة كتابة، أجده أكثر عمقا من سردها.. :)
سطورك ملغومة.. فأهلا بحرب الحروف!

محمد ملوك يقول...

أبتلينا في ديننا بأمرائه و تجاره و سفاحيه و جزاريه، أبتلينا أشد البلاء،
.............
أصبت في هذه كبد الحقيقة
الله يغفر لينا ويتجاوز علينا

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

المشكلة أن الكثيرين يحوّلون نقاش الفكرة إلى نقاش ذات وخصوصيات حامل الفكرة.
هذا ليس نقاشًا، هذا هجوم.
مثل هؤلاء يسيئون حتى للفكرة التي هم يقتنعون بها، والتي يدافعون عنها بسلطة لسان لا يتقن إلا لغة السوط.

عبدالعاطي يقول...

ربما كان يستحق شد أذنيه لولا حسن نيته وكرم الاستقبال ولكل مقام مقال.

غادي تحرقي شعرة شعرة على هاذ الشعر للي عاجبك و طلقاه .. وخريج دراسات عليا؟؟
تذكرني العبارة بسادية الآلهة الأسطورية.
ثم وحتى من دون الدين فإن الأحكام الجاهزة والقابلية للإدانة لأبسط شرارة
تسيطر على عقلياتنا كمغاربة وعرب.
موضوع معبر خصوصا أنه أثار أفكارا لا فكرة.


لاليور دو لاطلاس يقول...

هيبو ... محمد ... سعيد ... ليلى ... مثال ... محمد ...رشيد ... عبد العاطي، شكرا لمروركم من هنا

كانت الفكرة هي إثارة مشكل تحمل الدين الإسلامي لرواسب الثقافة، كان إشارة للتدبر في تفكيرنا و في أحكامنا و في الضرائب الذي نجعل الآخرين يدفعونها بغير وجه حق

كانت دقيقة للتأمل ...

شكرا لكم جميعا كثيرا و جدا ...

sab7al5air يقول...

تعرفين المثل شر البيلة ما يضحك
والعبارة التي اعتدت ان اسمعها الحمد لله الذي لا يحمد علي مكروه سواه حضرتني وانا اقرا هنا علي الاقل يوجد شبة حوار وليس قفز لاحكام وتصنيف لك علي ما تلبسين وما تقومين به
تحياتي
كنت هنا
علا

لاليور دو لاطلاس يقول...

شكرا علا.. يسعدني مرورك :)

إرسال تعليق