الأحد، فبراير 24، 2013

أمّ عــــيشة




"من أقصى الحزن تأتي تتدحرج ككرة هموم ضخمة، تنتظر الآذان في الأقصى فيأتي طويلا كما لا يرفع في مكان آخر، يقف المؤذن يتلو أسماء الشهداء و شهداء الشهداء، ثم يُسمَعُ صوته مخنوقا عندما يبدأ في تلاوة أسماء الشهيدات، يتفتت الدمع من عينيه مع حرف كل اسم و ترتفع معه آهات أحجار الأقصى تبكيهن بصوت عالٍ يهز الكيان، يحمل غصن الزيتون حبرا و يدون أسماءهن على وريقاته "هذه فاطمة و جيوليا و أمّ كريستيان و أمّ محمد، و تلك ربيعة و علا و حنان و هناء و... و الصغيرة عــــيشة و ..."

تصرخ العجوز من الجهة الشرقية لباب المغاربة حتى لا تَسْمَعَ بعد عِيشَة اسما آخر، فعِيشَة عندها كل الأسماء، و تقول "عيشة لم تمت .... عيشة لا تموت، حية باسمها لا تموت، حتى اللغة لا تقبلها ميتة، اسألوا حفيف أشجار الزيتون ساعة الصحى... عائشة لا تموت... لا تموت شجرة تسقط على ترابها... و لا تموت شجرة دفنت في قبر من ترابها... و لا تموت شجرة ثمارها من ترابها... "

تمرّ بجانب العجوز نسوة تقتات على الكلام، تهمس إحداهن للأخرى: مسكينة... إنها أمّ عِيشَة...

ذلك اليوم أمرتها معلّمتها أن تنهض إلى السبّورة و تكتب اسم الكيان على خارطة فلسطين، نهضت و كتبت بلون أبيض "فلسطــــــــــــــــــــــــــــــــين"، ضربتها المعلمة حتى أدمت يديها، و أعطتها قطعة طبشورة بيضاء تغير لونها عندما أمسكت بها، فصارت حمراء بعد أن تشبعت دما طاهراً، تقدمت نحو السبورة و كتبت بلون أحمر "فلسطـــــــــــــــــــــــــــــــــين" ...

هز الرعب كيان المعلمة فإنهالت عليها بالضرب، أصبح دمها هذه المرة عنوانا على جبينها، انحنت جهة الأقصى كما تنحني جموع المصلين و التقطت الطبشورة و تقدمت تجرّ قدميها نحو السبورة و كتبت "لا تحمل النحلة في جوفها غير العسل ... و لا أحد يجبر النحلة أن تلسع فتموت... " ثم سقطت طفلة شهيدة، اهتز الكيان لسقطتها كما تهتز الأوتار لوجع لحن "موطني ... موطني... موطني...''

سُمع صدى صوت احتكاك الطبشوة و السبورة عاليا في الأفق "لا أحد يجبر النحلة أن تلسع فتموت!"

... منذ ذلك اليوم و أمّ عيشة تنهض كل صباح و تحضر مناقيش الزعتر، تقصد تلك المدرسة و تبحث عن قسمات وجه عيشة في وجوه أطفال الزيتون، توزعها عليهم و تقول: "هذه مناقيش عيشة" يأخذها الأطفال إلى جوفهم لقمة لقمة، من قال أن عيشة تموت؟

...و صارت كلمة النحلة ترتبط كثيرا بالمرأة الفلسطينية، درّها عسل في حياتها، و موتها ملحمة إنسانية مع أرضها..."

... هكذا كتبت مغربية غريبة قابلت أمّ عيشة عند باب المغاربة... باب نَسِيَهُ المغاربة...



هامش:

ـ هذه التدوينة تأتي تفاعلا مع مبادرة وزارة شؤون المرأة - السلطة الفلسطينية
ـ مصدر الصورة أعلاه




14 تعليقات:

مثال يقول...

مبدعة.. كعادتك دائما.. وفي كل المواضيع التي تحمل بعدا إنسانيا.. ذاتيا ثم وطنيا
دمت متألقة عزيزتي، دمت مُبدعة :)

leila shadin يقول...

سأترك الدمعة على خدي الان تعبر :(

بكيتُ هنا ..

مهاجر داز هنا يقول...

وكاينين شي وحدين واحلين غير مع إسرائيل مدعومة من البارصا إسرائيل مدعومة من الريال ..الله يخرب بيتهم وبيت بيوتهم ..أعجبتني هديك ديال لا أحد يجبر النحلة أن تلسع فتموت!
الحصول كما كيقولو المراكشيين تهلاي في راسك وقولي لراسك يتهلا في راسو وراسو في راسو ... داز هنا

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

أبدعت سناء.
عيشة لم تمت وإن رحلت بجسدها، ولعل فلسفة العجوز في سلوكها الدائم هو تأكيد أن عيشة فعلا لم تمت فهي في كل طفل وطفلة فلسطينية.
تحية طيبة

محمد ملوك يقول...

من قال أن عيشة تموت؟

فقط نسينا
فكاد أن يطويها النسيان
عيشة لا تموت
هي تنسى
وتنسى
وتنسى
إلى أن يلسعنا نحل طيب يوقظنا من سباتنا العميق
بكل افتخار
أبدعت فأحسنت فلا جف مدادك أبدا

محمد ايت دمنـــات يقول...

أحسنت أختي سنا ء و أبدعت في الصورة التي رسمتيها لعيشة و أم عيشة
العنوان الأبرز للمرأة الفلسطينية ...النحلة
تحياتي

رامي بدره يقول...

جميلة عيشة ، وجميلة أمُها ، وجميلة فلسطين ، وجميلة انتِ يا سناء بنقلكِ لنا هذه المُشاركة..
اقشعر بدني يا سناء وأنا أقرأ ، و ألجمتنى حكاية عيشة ، وقوة هذه الفتاة الصغيرة ، أشعر بشيء يتكتل داخلي ، مزيج من الأنفاس التي تكدست و اكداس من الصور ، لله در هذه اليد الصغيرة التي كتبت اسم الوطن على السبورة رغمًا عن أنف المُعلمة وعن أنف كيانها !

شُكرًا لكِ كثيرًا يا سناء على مشاركتكِ في هذه المُبادرة الفلسطينية ،

أنا كفلسطيني فخور جدًا بمشاركتكِ وبتضامنكِ الجميل هذا ..

وردة بيضاء لروحكِ المغربية العربية وشكرًا عميقة :)

umzug يقول...

Thanks to topic

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ مثال : شكرا لمرورك و تشجيعك المتواصل، شكرا لك مثال


@ ليلى : أسالت دموعا في كتابتها، و عندما تسيلها في قرائتها يعني أن الرسالة وصلت ... شكرا لك ليلى
لا تندمي على دمعوعك هنا، لأن فلسطين تستحك أكثر ...


@ مهاجر : شكرا مهاجر، و مبلغ... و وصل :)
شكرا لك يا ابن وطني


@ رشيد : دائما تغرقني بكلماتك الطيبة، أنت كبيرنا و منك نتعلم ... سعيدة ان فكرتي وصلت، شكرا لك


@ محمد : شكرا محمد، آمين يا رب ... شكر جزيلا لك و لا حرمنا الله من شرف مرورك


@ محمد : شكرا أستاذنا، سعيدة ان فكرتي وصلت ، شكرا


@ رامي : ما عساي أقول يا رامي، أقل بكثير مما تستحق المرأة الفلسطينية، و أنا فخورة بمرورك، شكرا على وردتك و لك مثلها ... شكرا



لكم جميعا محبة بحجم الأطلس الشـــــــــــــــامخ

shalfm0a يقول...

اسأل الله الا يحرمك الأجر، لا زالت فلسطين حية في قلوبنا بسببكم يا من تذكرورنا دائماً عسى ان يبعث الله صلاحا. فاروق شلبي

Mounir يقول...

نص جميل ...

لاليور دو لاطلاس يقول...

@shalfm0a : يا رب آمين


@منير : شكرا لمرورك... يسعدني دائما :)

نسايم المملكة للخدمات المنزلية يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
نسايم المملكة للخدمات المنزلية يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

إرسال تعليق