الثلاثاء، فبراير 05، 2013

تخاريف إنسانية!



تتقلب المواجع فأتذكر ذلك اليوم، لازلت أذكر كل تفاصيله و لازلت مقتنعة أنه يوم فاصل في حياتي، به كبرت و تغيرت و صححت الكثير من أخطائي.

حملتني أمي من فراش المرض و قصدت بي المستشفى، كنت دائما أكره المستشفيات و لا أبحث لكرهي لها عن مبرر، أكرهها هكذا و فقط.

أَمَّنَتْهم عليّ ذلك اليوم فأكرموني بحقنة حملت جرعة أقوى مما يتحمله جسمي، فأُنتُزِعْتُ من أمي و من أحلامي الطفولية و من وهم الحياة و دخلت في غيبوية، أو ربما لم تكن غيبوبة بالقدر الذي كانت لحظة يقظة من غيبوبة الحياة، حياتي كغريبة هنا و هناك ابتدأت بعد ذلك اليوم.

أحسست بالهواء يَتدلَّل و تيغندر عليّ، كنت أسحبه بكل ما في الشهيق من عنف فيقابلني بمقاومة حديدية، كنت أسحبه كمن يسحب خيط ماء، حينها أدركت كم نحن ضعفاء، نتلاشي عندما تتكبر علينا نعمة واحدة من نعم الله، كيف أسقط ضعيفة مكسورة ميتة من آثار الحياة عندما تَمَنّعَت حفنة هواء على رئتيّ؟

عندما شعرت بأنني أفقد قدرتي على التشبت بالحياة، تسمرت عيني نحو أمي، كنت أقاوم بشراسة تلك الظلمة التي غزت المكان و بدأت في إلتهام صورتها، بدت عليّ علامات ما قبل الإنهيار، رأيت دمعة تحتبس في عيني أمي فنهضت من الكرسي حيث أجلسوني عندما أحسست بالتعب، و حاول أن أخطو خطوة إتجاهها فوجدت نفسي أسقط جاثمة على ركبتيّ أرضا ثم استقبلت الأرض بوجهي. كانت سقطة غريبة، غريبة جدا...

 عندما كنت أسقط لم يكن شيء يشغلني غير الدمعة التي رأيت في عينيّ أمي، كانت تمزقني تحرقني تعذبني تقتلي و تمثل بقلبي. بعد ذلك اليوم حاولت أن أصلحت بعضا من أخطائي و صارت علاقتي مع والديّ أكثر قوة و صفاء، و تكونت لدي قيمة الإعتذار. بقي شيء واحد في نفسي لم أكفر عنه و قد خطفت المنية ضحية لحظة من لحظات غضبي. تكررت أخطائي بعدها و هذا من طبع البشر، لكن الرجوع عن الخطأ ليس ضعفا و إنما فضيلة.

شاءت الأيام أن يتكرر سقوطي أمام أمي في مطار مراكش، فَبَيْتٌ فتحَ بابه لغريب مصيره التصدع، و مكالمة هاتفية واحدة كافية للإجهاز عليه، رأتني أسقط على ركبتي و أترجى مَرَضِي أن يجود علي بقرار الشفاء، لا أنا من أهل الأرض و لا من أهل السماء، معلقة في برزخ العذاب ما بين الرّاحتين.

صعدت إلى الطائرة، كانت دموعي تنزل كالحمم بركانية، ابتسمت عندما تذكرت أن آخر مرة كنت في المغرب كنت سعيدة و أنا أصعد إلى الطائرة، كان بين يدي كتاب يحكي طرائفا غريبة، كَاتِبُها أقل ما يقال عنه أَنّه أبدع في حِيَاكة معاني سياسية و انسانية و علمية في قالب ساحر و ساخر، ينم عن مستوى شاهق من الإبداع و الثقافة. ضحكت عندما فطنت أنها ليست إلا قصة بدأت و انتهت بين يومين في مطار مراكش، أولها كان تحليقا من المتعة و السعادة، و نهايتها كانت سقوطا من ارتفاع شاهق. قد يظن البعض أن أحد الطرفين كان وهما، لكن أعرف جيدا أن السعادة كانت حقيقة و أن السقوط كذاك حقيقي، فقط في قلب امراة غريبة يجتمع النقيضين.

علمت حينها أن السقوط صفة دنيوية متكررة بعدد مبادئنا و قيمنا و أخطائنا، و علمت أن الموت لا تمهلنا لنكفر عن زلاتنا، و علمت كذلك أنني عذبت أمي في سقطتي الأولى كثيرا، وعذبتها في سقطتي الثانية أكثر، سألتني عن سبب آلامي فربطت الأمر بظروف عملي لأبرر إستقالتي و تخطيطي للهروب بعيدا إلى أمريكا. كان لابد لي من لحظة صمت لأدرك أنني كنت أمتص السم من هناك و أنثره على قلوب بريئة.

في سقطتي الأولى أدركت أنني آذيت كثيرين و حاولت أن أتغير، و في سقطتي الثانية أدركت أنني أذيت نفسي كثيرا و به عذبت من أحبني حقا، فحاولت أن أعتني بنفسي لأجلهم ... و الدنيا مستمرة و لازلت أسقط و أتعلم ...

أيها القارئ (ة) أنت لست ملك لنفسك، بل ملك لمن وأدوا حياتهم و شبابهم لإسعادك، أنت ملك لأهلك و من يحبك بإخلاص ... لأن من يحبك حقا لا يرضى لك لحظة عذاب فلا تعذبه.


الصورة أعلاه لي، من تصوير المدونة حنان.



8 تعليقات:

leila shadin يقول...

عصية دمعتي , لكنك اسقطتها مرتين !
ما امرّه من سقوط يؤلم :/
ما اجمله من سقوط يعلّم :)

رائعة انتِ :)

مثال يقول...

قوية يا سناء.. تدهشينني دائما بهذا الكم الهائل من الأحاسيس لمتدفقة..
عبر تدويناتك تنقليننا في رحلة إلى عوالم غريبة وغير مألوفة..
يقول ابن القيم:"القلوب جوالةإما أن تجول حول السماء وإما أن تجول حول الخلاء"
تدويناتك حقا تجعل قلوبنا تجول حول السماوات السبع!
دمت مبدعة

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

تجدين يا سناء حبك الحرف وتطريزه لتعبري عن اختلجاتك.
سناء إنسانة صغيرة تحمل جبلا كبيرا من كل الأشياء.
مودتي

مهاجر داز هنا يقول...

الحمد لله على كل حال... داز هنا

غير معرف يقول...

تدويناتك عجيبة خليط من كل شيئ تحرك ما ترسب في قاع القلب


متألقة

هشام

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ ليلى : أنت أروع ... و آسفة على دمعتك ... جعلها الله دمعة تصفي القلوب و تحرر الروح و تزكيها ... تشرفينني بمرورك عزيزتي

@ مثال : شكرا لك مثال على التعليق المفيد ... أعتز بكلماتك و بمعرفتك اختي العزيزة ...
تلك المعاني كواحات الصحراء ... كل واحدة تجمع أرواحا تشترك في شيء مما ذكر ... إن حلقت كما حلقت فذلك لأن روحك خالصة حتى استوعبت ما قالت روح مكلومة ... شكرا لك مثال ..

@رشيد : شكرا رشيد، يشرفني مرور قيدوم مثلك بواحتي... اما تعليقك فوسام أعتز به ... شكرا لك

@ موحا : شكرا على مرورك .. ألا تعود يا مهاجر ... إشتقنا لتدويناتك ... ليتك تعودي أخي ليتك تعود :'(

@هشام : شكرا لك هشام على مرورك و قراءتك و على تعليقك ... ليتك تشاركنا أفكارك ... افتح مدونة إلتحق بنا ...


أهلا بكم جميعا، لكم احترام و معزة بحجم الأطلــــــــــــس

ارشيف بلوجر يقول...

تدويناتك عجيبة خليط من كل شيئ تحرك ما ترسب في قاع القلب


متألقة

لاليور دو لاطلاس يقول...

ربّما لأنها تكتب بالقلب، شكرا سليم.. يسعدني أن كلماتي وصلتك.. يسعدني مرورك :)

إرسال تعليق