السبت، مارس 30، 2013

جمجمة مكسورة!



أجعل يديّ على رأسي وأمسك بجمجمتي كما كانت تمسك أمّي بمزهرياتها التي أسقطها الغضب وغزتها الشقوق، تحملها بين يديها وتلتف أصابعها حولها كي تدعم الشقوق... لا تضغط بقوة كي لا تتهشم، ولا تتركها كي لا ينتصر الغضب على الحب.

تذكّرتُ عندما حضنت طفلي وجعلت رأسه على صدري، تذكرت ذلك الشريك المخلص بجانبي، ذلك الذي يملكني ويملك كل شيء لي، أحضن طفله بكل ما أوتيت من أمومة، كنت أما لطفلين شقيقين... الحبيب وابن الحبيب، فرقتنا الدنيا عشر سنوات، افترقت الجثتان ولم تفترق الروحان، ذلك أنني لم أرفع عيني لغيره...   

تمهّل أيها الزمن...

وقفتُ سنتين وستة أشهر أمام الوادي، كانت مياهه كثيرة، تتدفّق وتغلي.. كان لونها أحمر فاقع ينادي بالثأر، تعاقب الربيع والصيف والخريف، هدأت مياهه ثم جفت ثم سقته السماء مرة أخرى... ولم أتحرك..

 لا أدري لِمَ لم أقطع الوادي عندما جف؟ كيف كنت أخافه وقد انقضى الشتاء؟

وقفت سنتين وستة أشهر لا أشرب ولا آكل ولا أنام، كنت أنتظر متى أقطع الوادي... كنت خائفة على ملابسي ... كلها اشتريتها من أرقى المحلات فصرت سجينتها... كنت خائفة من البلل... ثم إني لا أجيد السباحة... ومتى كانت الصويرية تجيد السباحة في غير البحر؟!

أرجوك توقف أيها الزمن...

توقف! لا أريد أن أرى مزيدا من الفتيات تتفتح نهودها في حديقة بيتي ثم يقطفها الذكور... أرجوك توقف فلا أحد يبكي العذراء وقد أُفتضّت بكارتها!

لم يتوقف الزمن، ورنّ الهاتف هذا الصباح، "سناء اعذري غيابي الطويل" ها قد عاد الحبيب، أصبح طفله رجلا شابا... كيف أقنعه أن هذا الطفل أبوه؟ وكيف يكون أبو الرجل طفلا وأمّه العجوز لم تنجب غيره؟ ومتى كان للعجزة أطراف شابة؟

نهضت أمد يدي إلى الباب كي أفتحه له، لم يعد له مكان بيننا... ونسيت حينها أن جمجمتي لم تُجبر بعد...

والله يا أمي ما نويت الانتحار...


هامش : 
الصورة اعلاه محفوظة لمدونة قصة امرأة غريبة هنا وهناك




16 تعليقات:

Don Hibo يقول...

واضح لكن غامض

الى التحري

خالد التاقي يقول...

موسيييييقة هاذي معاك اختي سناء .. مافهمت والو ..
انا واقيلا ماباقيش انبقا نقرا ليك باش مانبقاش نحس بالغباء مني تانسالي ..

Mohammed Sakri يقول...

قرأتُ التدوينة ثلاث مرات يا سناء ..
استوعبتُ بعضها و بعضُها غامض ..
لكن ممكن أن أعلقَ بعبارة جميلة كنتُ قد قرأتها لكِ .. أجدها مناسبة لهذا النص
" الألم عندما يصيب القلب المؤمن يجعل الروح ناضجة معطاءة .."

كنتُ هنا :)

حنان يقول...

أي حزن هذا الذي تفجره سناء في هذه الحروف الآسرة ؟

كنت هنا صديقتي

إيمي يقول...

كلماتك .. لا أستطيع أمامها إلا أن أشعر بخفقات قوية لقلبي ، أشعر بها كما أقول لكـ دائما فالإحساس يقرأ بين سطورك بقوة :)

متى ألتقيكـِ أخيرا ؟!

أصبحتُ يوما عن يوم جد متشوقة .. لأن روحكـِ تلامس روحي كل مرة ببضع كلمات ..

" لا أردي لِمَ لم أقطع الوادي عندما جف؟ كيف كنت أخافه وقد انقضى الشتاء؟ "

جد مؤثرة هذه الجملة ..

سناء ، تحية لقلمك و كفى ! :)

Oumleila يقول...

إحساس رائع رغم غموض الفكرة

مدونة سعيد يقول...

خاصنا معاك أسناء محلل باش نفهمو هادشي

كنت هنا

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

في عرفنا المغربي نقول (أن تهراس الراس) يكسب المرء تجاربا كثيرة، وأظن أن تجربتك نوع من هذا، جمجمة مكسورة من قوة التجربة، ولكن يكتسب المرء قوة وقناعات إلا بعد خوض مخاض عسير، كيفما كان هذاالمخاض...
والحمد لله ها هي البنت الصويرية مازلت حية تحمل قناعات وأفكار اخرى، لتجهاد في وطن عادت إليه بعد غياب.

لك التحية سناء.

بندر الاسمري يقول...

جمجمة متشققة . ولم تنكسر.
من كل هذه العذابات تأخذ القوة والحكمة والتجربة .

خوف الصويرية من مياه لونها أحمر . وحبها لنفسها منعها من السباحة نحو عالم آخر راودتها نفسها للعبور إليه .
.
وهي تعلم سر السبع سنوات والستة الأشهر المتبقية ..

لك تحياتي سناء .. موفقة بإذن الله.

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ هيبو : اقرأه بقلبك، تجرد من الرمز وتعمق في الدلالة ستفهم ... مهما كان غامضا تعرف حدود سناء التي لا تتجاوزها ...


@خالد :ههههه لا ليس لهذه الدرجة، شكرا لمرورك البهي


@محمد : شكرا لك على وفائه وعلى دعمك وعلى مساعداتك ونصائحك ... ما فهمته كان حقا ما قصدته ... هو الحبيب وهو الوطن


@حنان : صار قلمي متحالفا مع الحزن، أحاول جاهدة أن اخرج من تلك الدوامة لكن لم يطاوعني قلمي بعد ... سعيدة بمرورك وفخورة بك


@إيمان : كلماتك أيضا تلامسني، رائعة أنتِ
تحية لك ولقلمك أيضا... شكرا إيمان


@أم ليلى: الإحساس أبلغ من أي كلمة، شكرا على مرورك
يسعدني دائما :)


@سعيد : ههه ليس لهذه الدرجة... شكرا سعيد على المرور وعلى وفائك ... شكرا


@رشيد : هذا هو يا رشيد... أظنك استوعبت ما كتب بين سطور هذه التدوينة، سعيدة بمرورك وبردك... شكرا لك


@بندر : الصراحة فاجأني تعليقك... وسعيدة به ولأنه فك شفرة الوادي ... نعم قصدت بالوادي العالم الآخر وحفاظا على النفس تراجعت ...
أعلم سرها وسأبوح به قريبا... مرة أخرى أشكرك جزيل الشكر


شكرا لكم جميعا بحجم الأطلس الشامخ :)

قوس قزح يقول...

إسترسال وكنايات وجمال فى النص و المعنى
أيداع يا سناء .. مغلف بالحكمة و المغزى
فهمت قصدك و عجبتنى بلاغتك


تحياتى و مودتى لكِ

Mounir يقول...

في غموضها قصتك تختزل الكثييير. بالتوفيق

مثال يقول...

سنآآء يا سنآء..
كل ما حاولت التعليق أجد أني لن أقول شيئا ذا أهمية في مواجهة هذاالنص القوي..
نصوصك قوية ومدهشة.. مثلك تماما..
كعادتي، حين أمر من هنا.. أقف كثيرا..
محبتي صديقتي العزيزة

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ قوس قزح : شكرا لك و تشرفني كلماتك وتعليقك .. شكرا لك

@ منير : شكرا لك، سعدت بمرورك

@ مثال : شكرا مثال على كلماتك الطيبة، أسعد بمرورك دائما ... شكرا


شكرا لكم بحجم الأطلس الشامخ

نسايم المملكة للخدمات المنزلية يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
نسايم المملكة للخدمات المنزلية يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

إرسال تعليق