الأربعاء، يوليو 17، 2013

مذكرات محللة مالية (1)


مذكرات محللة مالية (1) ... هكذا صنعت ثروتي
يجري العمر ويغزو الشعر الأبيض هذه الخصلات المتموّجة، أقف أمام المرآة وأتأمل هذا الوجه.. مرّت على هذه الروح أشياء كثيرة أخذت معها بريق هاتين العينين الواسعتين، كل شيء جميل في هذا الوجه أنتزع إلا ابتسامة الطفلة التي تسكنني.. بقيت لتذكرني بتناقضاتي..
ذلك اليوم استدعيت إلى مكتب رئيس رئيسي، تكلمنا لمدة ساعة ونصف عن أشياء كثيرة وغير محددة، كانت عيناه مركزتين نحوي، يقفز بحديثنا من موضوع لآخر دون مقدمات.. كان يبحث عن شيء لم أكن أعرفه.. أشياء كثيرة تمرّ ونشك فيها ولا ندركها إلا بعد أن يمرّ علينا قطارها.. أشياء كثيرة لا نحس بقيمتها حتى نفقدها.. حتى نكسرها بأنامل كان علينا أن تصونها بها..
بعد أن تكلمنا عن أشياء كثيرة، سألني رئيسي إن كنت أشتاق إلى ذلك الوطن الذي قهرني.. وأنهم يحتاجون أحدا بكفاءتي ليشغل منصبا ذا مسئولية هناك.. تحمست للفكرة.. لم أفكر حينها في الثمن..
طلب مني أن أتفرغ لآخر مهمة قبل العودة إلى وطني لأجني ثمن سنين طويلة من العطاء..  تلقيت أوامر من رئيسي بشراء أكبر قدر ممكن من الفسفاط بعد ان جعل تحت يديّ العديد من الملايين.. حولت أوامره إلى أوامر شراء ودفنت ملايينهم في الأسواق المالية لأجد نفسي وفي أيام قليلة قد وضعت يدي على جزء مهم من احتياطي السوق.. وطلب مني أن أشحن كل الكميات التي تم شراؤها في مراكب سبق حجزها في الميناء، وقد تم ذلك... حتى ذلك الوقت لم أكن أفهم السبب..
حتى تلك الليلة كان كل شيء يبدو عاديا.. نمت ولم أكن أتوقع أنني سأستفيق على خبر مظاهرات واهتزاز الأوضاع الأمنية في وطني.. قطع المحتجون كل الطرق وأعلن العصيان المدني حتى سقوط الحكومة.. صار حصول الشركات العالمية على المادة في تلك الظروف أمرا صعبا... تضاعف ثمنها خمس مرات في ظرف يومين... في تلك اللحظة أمرت بأن أطرح الأطنان التي اشتريت والمحملة على بر المراكب الآمنة للبيع، وفعلت وجنيت ولعبت دوري جيدا كبيدق ساذج.. ساذج جدا..
في اليوم الموالي دعاني رئيسي لمكتبه وهنّأني وزفّ إلي خبر الانتقال والمكافة... لم يكن انتقالا بالقدر الذي كان تخلصا من ورقة مكشوفة.. ورقة محروقة.. بيدق مستعمل.. مستنزف..
عندما انصرفت مررت بسيّارتي أمام  مقر الأمم المتحدة، توقفت وترجلت لمحل قريب لأشرتي كوب قهوة ساخن، عدت إلى سيّارتي وأنا أنظر إلى الأعلام المصطفة والمنظمة في منظومة غير منظمة..  منظومة يأكل فيها القوي الضعيف.. منظومة عنصرية في هياكلها وسلطها.. منظومة خلقت ليكون فيها حاكم ومحكوم.. لا يحس بالقهر إلا المحكوم.. وأنا من بلد محكوم.. محكوم بخلافاته.. محكوم بضعفه.. محكوم باستثماراتهم التي تمتص دمه بدل أن تسقيه..  
أخذت أول طائرة إلى باريس ومنها إلى وطني.. ثم إلى مدينة النوارس.. إرتميت جثة هامدة في المكان الذي وضعتني فيه أمّي لأول مرّة.. أدركت أنني لم أعد بنظافة تلك التي صرخت في ذلك المكان صرخة الحياة.. حاولت جاهدة أن أندمج وقد أصبحت غنيّة في وطن فقير.. أصبحت رقما من الدراهم في أسرة لا تعرف عملة غير الحب..
كان أبي حينها يقلّب القنوات بحثا عن أخبار الوطن، لم أكن أملك الجرأة لأقول له أنه بيديّ طُعن الوطن..
حملت فأسي وخرجت أحفر في حديقة بيتنا..  أحفر قبرا لقهري.. أحفر قبرا لكفري.. أحفر قبر الدموع كل هؤلاء المواطنين البسطاء الذين أُمتصت دماؤهم بحقنتي.. أنا لا أستحق هذا الوطن... تماما كمن يحكمونه..

هامش:

ـ هذه هلوسات "واقعية من الخيال.. وخيالية من الواقع"على رأي مدونة مذكرات طبيب 


11 تعليقات:

إيمي يقول...

إبداع مختلط بحزن ..

سأنتظر البقية إن كان هناك بقية ..

كنتُ هنا :)

H-F-blady يقول...

آآآآه لو تعرفين ماذا تفعل بي كتابتك يا سناء

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ إيمي : شكرا لمرورك .. يشرفني .. ستكون هنالك بقية لكن ربما ليست تتمة لهذه القصة ...

@ حنان : آآآآآآآآآآآآآآآآه لو تعرفين كم أشعر بالسعادة عندما تقرئين كتاباتي.. يشرفني ذلك .. شكرا حنونة الجميلة

شكرا لكما يا نجمتا الأطلس الشامخ

Don Hibo يقول...

سناو بصراحة وبصراحة العنوان "جرا عليا" من قراءة هذه التدوينة التي اقل ما يقال عنها رائعة ... تساءلت ما علاقتي بالتحليل المالي وانا شخص لا احب الارقام كثيرا بيد ان الموضوع كان قصة جميلة ابدعت في سردها
قريبا ستجدين منافسا يقارعك بقصة جديدة
في مرحلة الطبخ الان ^^

تبارك الله عليك :)

قوس قزح يقول...

حلم جميل (1)
رائعة يا سناء يا كاتبتى المفضله

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

إنني أقرأ هنا ألمًا حادًا حمله حرف نزف يومَ كتب، وبيد صاحبته التي تملك قلبًا كبيرًا يحب وطنها. وسواء كان النص حقيقيا أو خياليا، فإجازته ورادة بنسبة كبيرة على اعتبار أنه يحمل شكلا من أشكال العمل الذي يتبع في مجالات المال والاقتصاد، وحتى السياسة أيضا... إنه لعب وخيانات للشعب وللوطن معا، وقد يذهب في هذه اللعبة ضحايا تنفد بهم عمليات معينة، وهم بقدر من السذاجة وما نسميها نحن بالعامية (النية).
سأتابع مذكراتك سناء، وأنا مهتم ومتابع بما تجود به يمينه يا ابنة مدينة النور.
تحيتي الأخوية. رشيد

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ هيبو : الله يبارك فيك .. شكرا (أنتظر قصصك ومنافستك ستسعدني هههه)

@ قوس قزح : شكرا لك.. أحرجتني

@ رشيد : صحيح ما قلته يا رشيد.. فقط صحيح
تشرفني متابعتك لي و لك تحية كبيرة

شكرا لكم جميعا .. شكرا


بندر الاسمري يقول...

إن بدأتُ أقرأ أول حرف من مذكراتك فلن أفيق إلا مع الأخير منها.

ليس لمثلي أن يصف بهاء اسلوبك وروعة منطوقك.

هي واقع وواقع يحدث كل لحظة من امتصاص دم فقير وحقنه في وريد غني.

لك تحياتي عزيزتي سناء.

عبد اللطيف يقول...

أعجبتني تدوينة سابقة لك كانت حول الارقام ..الان عنوان رقمي ومحتوى شاعري D:


عواشر مبروكة

غير معرف يقول...

زوينة هادي عجباتني

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ بندر : شكرا لمرورك ولكلماتك الطيبة.. أحرجتني شكرا

@ عبد اللطيف : وقعت في الفخ هههههه.. تسرني متابعتك
شكرا

@غير معرف : شكرا

لكم جميعا شكر خالص

إرسال تعليق