الأربعاء، يوليو 24، 2013

الكرامة... أو شريكة أخرى



بسم الله الذي رزقني هذا العقل.. بسم الله الذي رزقني نور هذه العين وهذه العين، بسم الله الذي أنارني بنعمة القراءة.. سأكتب عن التعدد..
قبل شهر تقريبا نشرت سناء مروكية تدوينة ـ استفزتني ـ عن تعدد الزوجات، قبل تلك التدوينة وبعدها سمعت عن هذا الموضوع أكثر بكثير من كل عدد حالات التعدد في وطني، ثم جاء زواج دنيا باطما برجل متزوج ليفيض كأس النقاش ويدفع البعض للخوض في أمور أبعد بكثير من حدود حرّيته في التعبير.

وبين مَنْ يقتلون نعمة العقل ويخِرّون مستسلمين لما يقوله فقهاء تحكمهم أشياء كثيرة قبل خدمة الدين، وبين مَنْ يملأ الحقد قلبه على دين إن لم يكن مناسبا للعصر فعلى الأقل اختصر على العرب قرونا طويلة من التطور والتحرر من الفكر الجاهلي، وبين ظاهرة غير منتشرة لكنها عصيّة على الفهم.. عصية على التحليل الموضوعي.. عصيّة على الحلال المستحبّ وفيها إهانة لكرامة إنسان.. عصية على التحريم وفيها رفع لبعض الحرج.. وعصيّة على أن تختص بها شريحة اجتماعية دون أخرى.. نجد نساء قبلنها وهن اللائي لا ينقصهن مال ولا جمال ولا شهرة ولا جاه ولا سلطة... نساء كالمثقفة جومانة مراد والجميلة هيفاء والغنية أحلام وصاحبة السلطة الشيخة موزة والشابة اليافعة دنيا باطما.
لماذا يا ترى لا يقتصر الأمر على شريحة معيّنة من النساء؟ لماذا يقبلن بنصف روح ونصف جسد؟ لماذا يقبلن بأنفسهن رقما في معادلة تحتمل أرقاما كثيرة؟ أيملكن إجابة غير الحب والسترة والمال؟ أم أن الزواج عندهن صفقة باردة من المشاعر؟ أم لسبب آخر نجهله ولأجله أباح الإسلام التعدد؟!
لا بأس أن نعود بالمشهد مئات السنين إلى الوراء ونضع حكم التعدد في سياقه التاريخي. عندما جاء الإسلام لم يكن للمرأة حق الحياة، كانت تولد لتدفن حيّة وإن سلمت تدفن في بيتها إلى أن تخرج لبيت زوجها لتكون واحدة من قطيع لا يعد ولا يحصى من النساء، لم تكن من درجة جنس البشر، كانت تكال كالأشياء، تشترى وتباع بين العائلات ولا حق لها في التعلم ولا التكلم ولا الاختيار ولا أخذ القرار. وظلت على هذا الحال مستسلمة لعهر الجاهلية إلى أن جاء الإسلام ومنحها الحق في العيش والتعلم وإبداء رأيها في مشروع زواجها، ومنحها الحق في المهر وفي طلب الطلاق وفي العيش في ظل العديد من الحقوق التي ما كانت لتحصل عليها لو ناضلت مئات السنين في ظل مجتمع جاهل ومتحجّر ورجعي.
فكيف يا ترى لدين منح المرأة كل هذه الحقوق بكرم وقلب رحب أن يصرّ على "إهانتها"؟!!
دعونا نلقي نظرة على النص الشرعي الذي يبيح التعدد :

 "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا"  (النساء - الآية 3)
"وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ" (النساء- الآية 129)
ومنه نستفيد أن الإسلام قلّص عدد الزوجات إلى أربعة على أن يعدل الزوج، ثم عادت الآية لتجزم جزما لا غبار عليه أن الزوج لا يمكنه أبداً أن يعدل وإن حرص على ذلك، وهذا في زمن كان فيه نجاح المرأة رهين بتكوين أسرة وانجاب أطفال، ولم تكن لها وسيلة أفضل لتحقيق ذاتها واستثمار تقي به نفسها من رحى الزمن.
ومنه لا يمكن أبداً لأولي العقول أن يجزموا أن الإسلام يدعو للتعدد.. بل أحلّه في ظل شروط معينة وتنبيه واضح وصريح على عدم إمكانية تحقيق العدل. 
وهنا أقف لأشير أن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عصر الجاهلية كما في عصر الإسلام لم يثبت عنه قطّ، على إختلاف الروايات، أنه أعرب عن نية في الزواج أو اقترب من امرأة في حياة السيدة خديجة، علما أنه قضى معظم حياته معها، فهل يا ترى هذه صدفة أم رسالة لأولي الألباب أن امرأة تحمل العبء كما فعلت خديجة، امرأة تجاوزت ما يطلب من النساء لتقف وقفة الرجال.. لا يزجّ بها في وضع اجتماعي لا يقدر قيمتها كامرأة أولى وأخيرة في حياة رجل هو كل حياتها، حتى لو كان هذا الزوج رسول الله المصطفى.
كما تجدر الإشارة أنه من العار أن نكذب وأن ندّعي أن الاسلام يكرّم المرأة في ظل التعدد لأن فكرة التعدد مؤذية لكرامتها بأي حال من الأحوال، وإنما حرص الدين على أن لا تضيع حقوقها المادية وبعض من حقوقها المعنوية في ظل حالة اجتماعية معينة، لها أن تقبلها وتظل أو تطلب الطلاق، وهنا كذلك حقوقها مكفولة. وبه قد أجزَم الإسلام منذ عهد طويل أن هذه الحالة الإجتماعية اختيارية ولا يقرر في قبولها من رفضها إلا من تعنيه مباشرة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُفرض إكراها على أيّ كانت.
 لكن وبعد مرور أكثر من ألف وأربع مائة سنة، عاشتها أمتنا لحظة بلحظة.. تناسلنا وتكاسلنا وتوسعنا جغرافيا وعرقيا ولم نتزحزح فكريا عن النقطة حيث تركنا المصطفى، بل جعلناها مركزا لخلافاتنا وتناحراتنا واقتتالاتنا. بعد كل هذه السنين لم يستطع فكرنا كمسلمين (رجالا ونساء) أن يستوعب أن الله خلق المرأة لأغراض كثيرة غير تلبية الشهوات، وأن الله لم يتكرّم عليها بنعمة العقل عبثا ولا بالروح عبثا.. وأن المرأة أقوى بكثير من قيد الإسلاميين وأرفع بكثير من شفقة العلمانيين.
عندما جعل الإسلام التعلم فرضا على المرأة، عندما أعطاها حق إثبات الذات فلا يُلام غيرها في ما تعيشه من إقصاء وتراجع.. المرأة هي من فوضت حقها في التفكير للذكور حتى في الأمور الشخصية وكأن لهم عِلم رباني بفزيولوجيتها، المرأة من زرعت الفكر الذكوري في أبنائها، المرأة من تملأ عقل بناتها بأنهن ناقصات ذوات عورة تستوجب السترة من رجل "لا يعيبه إلا جيبه"، له أن يأتي ويتواضع ويتكرّم ويرفعهن إلى درجة إنسان.. أي رجعية وأي تفكير هذا؟!
أضف إلى هذا أن ما نعيشه الآن من سجال هامشي ولن يحل المعضلة لسببين، أولهما أن مثل هذه الظاهرة غير المتفشية في مجتمعاتنا ما هي إلى تجلّي لظواهر أشد سوء وأكثر خطورة وانتشارا، وثانيهما هو أن حتى السجال في مثل هذه الأمور ليس بغرض بحثها والإجماع على حل يرضي كل الأطراف المعنية، وإنما هي نقط يتصيدها البعض في حربه مع البعض الآخر، في تناسي مؤلم أن البعض والبعض أهل يشتركون في كل شيء إلا في حبهم لبعضهم البعض.
عندما نُعلّم المرأة ونثق في فكرها، عندما لا نُنصِّبُ أنفسنا وصيا على تفكيرها باسم الدين أو باسم الحريّة، عندما نجعل منها انسانة تعرف ماذا تريد، لها شخصيتها المستقلة وطموحاتها وحاجتها للرجل التي بنتها عن قناعتها، وعندما نتوقف عن فرض مقياسنا للحرية والسعادة على الآخرين... حينها فقط سنترك لها المجال لترتقي.. وسنختصر الوقت والجهد لمناقشة أصل كل مشاكلها.. الأمية والفقر والتهميش والإقصاء.
يجب كذلك أن نتخلّص من نظرتنا إلى التعدد على أنه تجلي للرجعية والخضوع، ونستوعب أنه كذلك تجلّي لواقعية بعض النساء، حينها سنفهم لما تقبل به بعض النافذات منهن، لن نستطيع بعدها أن نلومهن وسنتوقف كذلك عن لوم الأقل حظا ونفوذا.
كثير من اللوم لن يغير شيئا، ولن ننتظر أن يبعث الله رسولا آخر لكي يستعيد لنا مجد الماضي وينتصر لنا لحقوق أخرى.. ألا نملك السواعد لننتزع حقوقنا؟ بلى نملكها..


هامش :
ـ أحسن ما جاءت به مدونة الأسرة المغربية هو الشفافية
ـ هنا كتبت قناعتي ورؤيتي، قد أصيب وقد أخطئ .. 



13 تعليقات:

إيمي يقول...

يوم قرأتُ التدوينة على مدونة سناء .. كنتُ في حالة من الاستفزاز و الإهانة .. كتبتُ تعليقات كثيرة ، أحدها كان من جملتين ( لن أردّ ) و مسحتها إلى أن كتبت تعليقي الأخير ... مُهين أن تفكّري مجرد التفكير أنّ أربعة منكِ = رجُل . أنّ عليكِ أن تعيشي رُبع حبّكِ له ، و الباقي لثلاث نساء أخريات ! دائما قلتُ أنّي لا أرفض شيئا في دين الله ، و أي شيء في القرآن مجبرة على قبوله ، لكنّ تجربة النبي صلى الله عليه و سلم مع خديجة ، و كونه رفض أن يتزوج عليّ رضي الله عنه على ابنته فاطمة ، و كون الآية محسومة فيما بعد ( و لن تعدلوا ) و كونه طلقّ امرأة لم تعد تريد زوجها دون أن تقدّم سببا مقنعا ، كلّ هذا يجعلني أتمسّك بحقّي المشروع في أن أعيش حياة كاملة مع رجل واحد .. لا ينقص من حبّي شيئا تأخذه امرأة أخرى طاقة و وقتا و محبّة .. من حقّي كامرأة عادية ـ لأني لا أستطيع تحليلا من تحريم و لا أي اجتهاد لأن هذا ليس مجال تخصصي ـ من حقي أن يكون زوجي لي وحدي ، أو فليرحل مع زوجته الجديدة ، هناك بعض من سار إلى أن رفض أن يزوج زوجي عليّ هو رفض للنص بحد ذاته ، و لكني أرى أنّ طلب الطلاق حق مشروع في هذه الحالة لأن المرأة طُلقت من زوجها دون سبب و أنا سيكون لدي سبب .. إلا أن المستفز أكثر .. حين أرى امرأة تدافع عن التعدد ! لا أفهم هل هي جاهلة بالحبّ أم مشاعرها من حديد .. على أيّ لم أصل إلى درجة إيمانها ـ كما يقولون ـ و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .. لن أقتسم حبيبي مع أي امرأة !

أمال يقول...

في بعض الحالات يصبح التعدد رحمة بالنسبة للمرأة على أن يتوفر العدل طبعا..
اذا ما نقشنا هذا الموضوع من زاوية واحدة سنتوه دون أن نصل للمغزى الحقيقي من اباحة التعدد في الاسلام..

بعيدا عن وجهات النظر الشخصية، ليس من حقنا أن نلوم رجلا ان فكر في التعدد وليس من حقنا أن نلوم امرأة إن هي قبلت أن تكون امرأة ثانية أو ثلاثة أو رابعة ولا أن نلوم امرأة إن لم تستطع تقبل وجود امرأة اخرى في حياة زوجها..


تحيتي سناء وشكرا على التدوينة :)

حنان يقول...

سيبقى هذا النص من أجمل ما قرأت عن موضوع التعدد


سلم هذا العقل و سلمت هذه الأنامل يا سناء الحكيمة :)

حنان يقول...

هامش : أرجوك سناء اكتبي بخط كبير راه عويناتي على قد الحال هههههه

أحبك أيتها المميزة

MArrokia يقول...

صديقتي..
كتبت لك ردا مطولا يشرح وجهة نظري حول التعدد.. لكنه دهب مع الريح بضغطه زر واحد
موقفي واضح في هاته المسألة
من حق الرجل أن يتزوج الأولى والثانية والثالثة والرابعة
ومن حقي أنا أيضا أن أرفض التواجد مع ضرة..
سيكون الطلاق أرحم عشرات المرات..
فليسمها الناس ما يريدون..


دمت بود عزيزتي

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ إيمي : ولا أنا مستعدة لذلك.. شكرا لمرورك السخي ولمتابعتك المتميزة

@أمال : العفو أختي، كل الشكر والتحية لك أنتِ :)

@حنان : هذا الكلام تاج أضعه على مدونتي، شكرا لك ولمرورك... أعتز بك
سأحاول رفع حجم الكتابة في التدوينات المقبلة :)


@ مروكية : كالعادة اللي زرب يتعطل هههه ... وجهة نظر تحترم والطلاق يبقى أرحم كما قلتِ ... دمت بود سلاموووو صديقتي


لكن يا أعز الصديقات أخلص تحية..

كوثر مجاهد يقول...

أحسنت صديقتي...

داز هنا يقول...

ما عندنا لا وحدة لا جوج لا ثلاثة ..وكاواك ألحق هههههه

مدونة سعيد يقول...

كنت هنا

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ كوثر المجاهد : شكرا صديقتي :)

@ داز هنا : ههه أضحكتني يا محمّد .. فعلا أضحكتني .. تحية لك

@ سعيد : شكرا لمرورك الكريم :)


شكرا لكم جميعا بحجم الأطلس الشامخ :)

غير معرف يقول...

سيرو كاملين، الله يرضي عليكم و يكثر من أمثالكم!!

غير معرف يقول...

ما أحلا أن أقرأ تدوينة بهذه السلاسة، متبوعة بنقاش على هذا المستوى من النضج و الود المتبادل!!!
المغرب لا زال بخير :)

لاليور دو لاطلاس يقول...

آمــــــــــــــــــــــــــــــين، شكرا لك
لازال الخير في المغرب.. وهذا ما يسقي الأمل في نفوسنا :)

إرسال تعليق