السبت، أغسطس 10، 2013

عيدية للذكرى!!



هذا صباح العيد وهذه الروح المثقلة بالألم تسير مجهدة لقضاء بعض المساطر الإدارية.. لا شيء يوحي بأن اليوم عيدًا.. لا أطفال تجري ولا شيوخ تصلي ولا شباب يحيي الرحم.. أنا في مدينة الحب التي لا تحب غير نفسها، مدينة تشبه المرأة كثيرًا.. كلما زادت أناقتها واهتمامها بنفسها قل إهتمامها بأحبائها.. تشبه المرأة كثيرا هذه المدينة ...

في هذا الصباح أسير  وعقلي يفكر في أشياء كثيرة.. ترجّلت نحو قوس لاديفونس العظيم (آرك دو لاديفونس)، صعدت الدرج ثم جلست في الأعلى وأنا أتأمل ناطحات السحاب التي تملأ المكان في انتظار أن يصل الموعد الإداري .. تذكّرت أنني قبل سنة بالضبط كنت أسكن في هذا الحي.. أخرج كل صباح لأفني شبابي في خدمة هذه المطاحن العملاقة.. كنت أذهب كل يوم لأشهد فروع إفريقا والشرق الأوسط تسبح لنا بقرابين الملايين، تخرجها بردا وسلاما من تلك البلدان الفقيرة والمتخلفة كي نتنعّم بها.. كنت كمثل كل هؤلاء الناس التي تجري يمينا ويسارا، لا وقت لها لوقوف وقفة.. مجرد وقفة لإدراك أن الدنيا أبسط بكثير من كل هذه المظاهر المثيرة والمعقدة وغير الصادقة... غير صادقة حتى مع نفسها!
سرحت بعيني فسقط عيني على درج كان قد رن عنده هاتفي ذات وجع في سنة 2012،  رن فجاءني صوت أمي من الضفة الأخرى يقول "ماتت جدتك يا سناء.." .. أتذكر أنني عندما سمعت صوتها المخنوق أحسست بشيء كالسيف يخترق ركبتي.. دمّرهما وما عادتا قادرتين على الوقوف.. جثوت عليهما وبكيت حينها بحرارة.. أتذكر أن شرطيا جاءني سائلا عن الخطب العظيم الذي ألم بي.. رفعت رديّ مشيرة له أنه لا شيء مهم، ابتعد عنّي بضع خطوات وعيناه مركزتان نحوي.. فنهضت هاربة من نظرته المؤلمة إلى شقتي.. ارتميت على سريري وبكيت طيلة الليلة.. لا أعرف كم بيكت من دمعة لكنني أعرف أن الألم كان قاهرا جدًا... ليس فقط لأنه كبير لكن لأني كنت وحيدة في وجهه..
تقلبت الذاكرة وذاكرتي موجعة جدًا، تذكرت وأنا أتمعن في المقهى حيث كنت أجلس لإحتساء القهوة والقراءة... تذكرت المرات التي جلست فيها وقلبي مليء بشيء كان ذات ماض سعادة كشف الحاضر زيفها، تذكرت وتذكرت وتذكرت إلى أن قاطعني صوت أعرفه "سناء وا سناء"  نظرت أسفل القوس لأجد أحد أصدقاء الدراسة يلوح لي، أشرقت على وجهي ابتسامة عريضة ونزلت أطوي الدرج .. سلمت عليه وهنأني بحلول عيد الفطر المبارك... هنأته كذلك... في تلك اللحظة فقط أحسست أن اليوم حقا عيد..
تحدثنا ما يقارب عشر دقائق، استأذنني لأنه يجب أن يلتحق بعمله، لكن وقبل أن ينصرف دسّ يده في جيبه وأخرج حقيبة نقوده ومدّني بشيك قيمته 10 يوروهات قائلا : "سناء، جميل أنني إلتقيتك هذا الصباح.. خودي عيديتك" فاجأني الأمر وارتفعت ضحكتي مقهقهة في السماء، ضحكت من القلب بقدر صدق هذا القلب وبقدر السعادة الكبيرة التي جلبها تصرفه الضارب في عمق الإنسانية والنقاء..
عدت إلى المكان حيث كنت لكن ليس كما كنت، راقبته ـ وهو يترجّل نحو الشركة حيث يعمل ـ إلى أن اختفى عن أنظاري... عدت مبتسمة وبقلب ممتلئ بالإيجابية والأمل...تصرفه هذا سيعيش في ذاكرتي طويلا..
هامش :
ـ كل عيدكم مبارك سعيد لكل قراء هذه المدونة، وكل عام وانتم بألف خير :)

6 تعليقات:

بندر الاسمري يقول...

السلام عليكم.
عيدك مبارك سناء .. وكل عام وأنت بخير وبصحة وسلامة ..

قد تغيرت مظاهر العيد عما مضى في كل مكان.. ولكن تبقى الغربة هي قطعة العذاب ...

أتمنى لك الخير ..

لك تحياتي ..

لاليور دو لاطلاس يقول...

وعليكم السلام ورحمة الله و بركاته، عيدك مبارك سعيد كذلك بندر.. بالصحة والسلامة وتحقيق كل المتمنيات :)

صدقت، الغربة قطعة عذاب لا تتآكل بالزمن بل تزيد..

أتمنى لك كل خير كذلك ولك أطيب التحية :)

قوس قزح يقول...

وعيد سعيد لكِ يا سناء
انا متأكد لو صحوتى مبكراً لحصدتى الكثير من الشيكات واليوروات ههههه فصدقاً هذا الشخص نبيل وطيب القلب ..
سناء .. يعجبنى كثير إسلوبك الروائى فى سرد الوقائع رغم إنك ما زلتى صغيره ولستِ شخص كهل مثلى
واتمنى يوم من الأيام اجد لكِ كتاب او رواية وانا اتسكع فى إحدى دور النشر ..

ممتن لكِ كثير يا سنااااء

لاليور دو لاطلاس يقول...

شكرا قوس قزح
أسعدني تعليقك كثيرا.. وأفرحتني ثقتك في قلمي..
يوما ما وقريبا ستصلك نسخة.. لن أتركها للصدفة

ممتنة لك كثيراً.. دمت بخير وسعادة

شكرا

غير معرف يقول...

عيدك مبارك سعيد سناء

لاليور دو لاطلاس يقول...

وعيدك مبارك سعيد، شكرا

إرسال تعليق