الجمعة، أكتوبر 25، 2013

دروس مغربية !!

كان اسمه سليمان وكان أستاذا مغربيا صحراويا في أعيننا وكنا في عينيه كل شيء سيء، كان شديد الصرامة، غير متسامح بالمرة.. تسبب في مشاكل كبيرة للعديد من الطلبة، كانت لا تمر حصة دون أن يطرد طالبا، وأبسط نقاش معه قد ينتهي بتقرير وإحالة على لجنة التأديب، بل وامتد به الأمر لإتهام بعض الطلبة بسرقة بعض أدوات قاعة الإعلاميات وتوقف بسببه طالبين عن الدراسة لشهرين، كان لا يحبنا، يعاملنا وكأننا أعداء له.. كان متجبرا..
ذات يوم ذهبنا إلى الفصل ولم يأت سليمان، قفزنا فرحا ومرحا لأن الحصة ألغيت وبدأنا نخطط بما سنفعله بثلاث ساعات كاملة من الحريّة. ونحن ننصرف من المؤسسة راجت أخبار أن سليمان يرقد في مستشفى مراكش في وضع حرج بسبب أزمة قلبية، ثم علمنا بعدها أنه يعاني من مشاكل في قلبه، أحسسنا أن فرحتنا لم تكتمل حتى وإن كنا لا نحب حصصه، ثم علمنا أنه سيرقد طويلا في ذات المستشفى بعيدا عن عائلته التي تقطن في جنوب المغرب الغالي.
كل طلبة شعبة العلوم الإقتصادية في الصويرة بكل مستوياتها انتظموا في مجموعات عفوية وسهرنا على زيارته بإنتظام وتوفير كل ما يحتاجه قدر استطاعتنا، فأصبح لسليمان عشرات العائلات تزوره وتطمئن عليه في مكان كان يظن نفسه غريبا فيه.
عاد سليمان إلى المؤسسة ودخل الفصل، وقفنا له وصفقنا وتناثرت الكلمات الصادقة من القلوب أننا اشتقنا له وأننا سعداء بعودته، قال أنه ممتن لنا وأنه يحبنا ويتمنى أن يكون القادم أحسن كل ما مضى.. ثم غلبت دمعة ندم..
سليمان كان يعاملنا وكأننا نقتات على خيراتهم ونسعد على تعاستهم، كان موقفه يحجب عنه حقيقة أننا في الصويرة نتجرع من نفس كأس التهميش والقهر والفساد. يظن نفسه أنه مرض لكنه لم يمرض بالقلب بل شفي منه، شفي عندما تخلص من كل أثقال الكره التي كان يحمل لنا واستبدلها بحب يتسع به الصدر وتشفى به الروح، وحمل شرف الإنتماء لوطن فيه أبناء يحبون بعضهم البعض.
بعد كل هذه السنين رزق هذا الوطن بقلم صحراوي غيّور على مغربيته، بقلم لم يستثمر فيه النظام درهما من ما يستثمره في الأصوات التجارية المنافقة كي تحمل العلم المغربي الشريف الذي مات لأجله تحريره الرجال الرجال والنساء النساء، ثم تغني "صوت الحسن ينادي" في ما أصوات الأنين والإقصاء تتعالى من أقصى المغرب لأقصاه. كتب عن هموم الوطن بكل جرأة، ليس لأن ليس لديه ما يخسر ولكن لأنه وضع كلما يملك لأجل هذا الوطن، فأتهم بالإرهاب والخيانة والإنفصال.

كنت دائما مقتنعة أن المقاربات الأمنية تفرغ القضايا العادلة وتشوه نقاءها، والآن صار الأمر ملحا أكثر من أي وقت مضى لتغيير هذه المقاربة التي لا تحقق شيئا غير خلق هوة عميقة بينا وبين من فرضوا أنفسهم على هذا الوطن.
نحن مغاربة حتى النخاع وجذورنا ممتدة بعمق في هذه الأرض الشريفة وسنبني هذا الوطن طوبة طوبة، ليس لأننا ننتظر منه أن يعطينا مثلما أعطاهم ولكن لأننا نحبه، وسنظل نتشرف بالإنتماء له ليس لأنه كبير بين الأمم لكن لأن دماء شريفة ضحت لأجله ولأجلنا... نحن لا نخون!!

12 تعليقات:

خالد أبجيك يقول...

مثل السيد سليمان كثيرون..

كنت هنا

إيمي يقول...

خرج علي .. و بقي الوطن معتقلا ...
ترى كم يلزمنا كي نخرج كل الحقد من قلوبنا ونجتمع بالحب حول وطننا الجميل الذي نحبه و لكن بطريقة خطأ .. فلا يرد علينا الحب ؟!

كنتُ هنا قبل الجميع :D

مثال يقول...

وآه يا وطن..
كلنا مغتربون في هذا الوطن.. فمتى تتخلى عنا غربتنا لنحس بانتمائنا الطبيعي..
بكامل آدميتنا..
تتقنين فتح الجروح يا سناء.. تبا لك..

لاليور دو لاطلاس يقول...

@ خالد : الوطن من صنعهم... هم أبناؤه بأي حال من الأحوال

@ إمي : نتمنى خيرا... نتمنى أن يكون القادم أفضل

@ مثال : هي مفتوحة يا مثال.. مفتوحة وبدأت تتعفن

شكرا لكم جميعا.. مروركم يشرفني :)

رشيد أمديون. أبو حسام الدين يقول...

إذن يحتاج الكثيرون لعملية في القلب حتى ينزع البعض الغل الكامن فيه، ويزرع البعض الغيرة والحب المفقودة في قلوبهم...
تكتبين وتطرحين أفكارك يا سناء باحساسك، وهذا ما يجعلني أطمئن أن حب الوطن كائن في صدور البعض وإن نكرناه.

med marakchi يقول...

أينما وطأت قدماي ،
أينما حلمت استنشقت أحببت عشت
أينما مت أو حييت
فذاك وطني...
ــــــــــــــــــــــــ
تحياتي لاليور، مررت من هنا

بندر الاسمري يقول...

جميلة هي الدروس المغربية .. دائما أجد الفائدة هنا .. لك تحياتي .

لاليور دو لاطلاس يقول...

رشــــيد، محمّــــــــــــــــد و بنـــــــــــــــدر.. شكرا لمروركم.. أسعدني :)

mounir يقول...

جميل جدا

لاليور دو لاطلاس يقول...

شكرا لمرورك منير :)

سعيد يقول...

كنت هنا

لاليور دو لاطلاس يقول...

شكرا لمرورك سعيد :)

إرسال تعليق