الأحد، مارس 02، 2014

كتب قرأتها ج3 : ساق البامبو



قليلة هي الكتب التي تجعلك تستغرق في تأمل وتفكير عميق بعد آخر ورقة فيها، وكأن الإنتهاء من قراءتها ليس إلا بداية لعملية هضمها وإستيعاب رسائلها، فلا ننتهي منها حتى وإن إنتهينا من قراءتها. وليست كل الروايات التي تروي أحداثا ترتبط بمجتمعات بعيدة عنا جغرافيا وثقافيا تستطيع أن تذيب الفوارق وتجعل القارئ يجد نفسه في تفاصيلها. لكن رواية "ساق البامبو" جمعت هاتين النقطتين بإمتياز كبير، فكانت بالتالي أحسن ما قرأت السنة الماضية.
عرّت الرواية عبر أحداثها والأفكار والنقاشات، التي طرحتها، تناقضات وسطحية المجتمعات العربية. سأستعرض أهم ما أثارني فيها عبر ثلاث نقاط :

النظرة المزدوجة للدين :
لامسني طرح الكاتب لنقطة الدين عبر نظرة شخص مقبل على التعرف على الإسلام وخطاب مسلم يعرّف بدينه. لامستني معالجة التركيبة المتناقضة لفكر العديد من المسلمين الذين يؤمنون أن الإسلام دين الله، دين السلام والحب لكن في نفس الوقت يروجون لأفكار متناقضة مع ذلك، كمثل من يقدّم صور لمدينة مسحها غضب الطبيعة ولم يترك فيها إلا مسجدا، ويؤمن أنها دليل من الله على قدرته العظيمة، دون أن يتساءل لماذا هُدِمَت الدور المبنية من الطين والقش وبقي المسجد المبني باللإسمنت والحديد.. بعض الأسئلة تحمل إجاباتها والله ليس بحاجة لنشر الدمار كي يبدو عظيما.
بعيدا عن هذا المثال، أظن أننا نُسقِط بعض صفاتنا كبشر على الله، وكأن لله قلب يحقد ونفس شريرة أمارة، أو كأنه على عرش ملكي في السماء يسعده إذا استقمنا ويمطرنا عقابا إذا عصينا.. تماما كما نفعل نحن بما ملكت أيدينا.
نحن لا نتساءل كيف يكون لله عرش ويكون قريب من كل واحد منا، وكيف لا تسعه السماء والأرض ويسعه قبل محب مخلص؟! لا يكون هكذا إلا من لا يحدّه جسد ولا مكان ولا زمان، لله حكمة في تسيير وجودنا، حكمة تتجاوز منطق عقولنا.. سبحانك ربي عمّا يصفون.
المجتمع الكويتي :
استعرضت الرواية إزدواجية الرؤى لدى المجتمع الكويتي والتي لا يختلف فيها عن باقي المجتمعات العربية من الخليج إلى المحيط. لا زلنا، للأسف، مجتمعات غير متصالحة مع ذاتها، تعيش مع وعلى إرث ثقيل من الفكر الرجعي، لا زلنا نحاسب الناس بذنوب غيرهم ونفاضل بينهم بأشكالهم وأسمائهم .. لا زلنا ننظر لأشياء كثيرة في الشخص قبل أن ننظر إليه كإنسان.
كانت فرصة لأكتشفت أشياء كثيرة، كنت أجهلها، عن المجتمع الكويتي وعن تاريخه ونظامه وتركيبة مجتمعه.
العمالة الأجنبية :
 قليلة هي الكتب التي تناولت وضعية الأجانب في بلداننا العربية سواء كانوا عمالا أو طلبة أو مهاجرين غير قانونيين. إذا كنا في مجتمعات، لا زال فيها بعضنا غير حاصل على حقوقه كاملة كمواطن، فماذا ننتظر منها أن تعطي لأجانب يُنظر إليهم على أنهم أقل حظا وشرفا وأهمية؟! نحن نتفنن في إعادة إنتاج الممارسات التي نتعرض لها من دول وشعوب أكثر تطورا منا..
تناولت الرواية العمالة الأجنبية في الكويت، قيلت بعض الأشياء وبعضها لم يقال، لكن فكرة تسليط الضوء على ذلك أمر جيد، فالإنسان الذي يقتسم معنا أرضنا ويقبل بظروفنا ـ لأنه أقل حظا منا ـ ليس أقل أهمية أو إنسانية منا.. و ربما العكس صحيح، فشخص ضحى بنفسه لأجل حياة أفضل لأهله على أطراف هذه الأرض البعيدة ليس إنسانا عاديا.. بل إنسان بروح تسع الأرض والسماء..

استمتعت بقراءة هذه الرواية كثيرا، وفكّرت بعدها كثيرا.. 

هامش : 

هذا آخر جزء عن قراءاتي للسنة الماضية، هنا تجدون الجزء الأول و الثاني.
كتب يوم 6/01/2014


1 تعليقات:

زكرياء بن اجعيرة يقول...

شوقتني جملك لقراءة هاته الرواية .... سأشرع في ذلك قريبا

إرسال تعليق