الخميس، أبريل 24، 2014

قراءة مريد، لسِفر التغريد



بقلم رشيد أمديون،

لا أعلم مدى قدرتي على ولوج عالم "سناء البركي" من خلال كتابها الذي صَدر حديثا. وها أنا ذا هنا أجهزّ مركبي الصغير في محاولة الإبحار  إلى عالمها الموسوم بـ"سِفر التغريد"، بكسر السين، لا بفتحها، إذ السِفرُ مفرد أسفار/ الكتب. وفي التنزيل: (كمثل الحمار يحمل أسفارا). كما سميت أجزاء التوراة بالأسفار... ولكن عنوان هذا الكتاب الذي يتكون من 99 صفحة من الحجم المتوسط، يوحي بأشياء، ويشدنا بخيط خفي لننجذب بفضول إلى معرفة ما بين دفتيه، ويثير في عمقنا السؤال التالي: هل صار للتغريد سِفرا؟.

وحين نعود لمعنى التغريد بمفهومه المعاصر بين أوساط مستخدمي توتير، هذه الشبكة الاجتماعية التي تسمي ما يُنشر بها  "تغريدات" لعدم قدرتنا على تجاوز 140 حرفا، ندرك -حينها- جيدا مقصد العنوان، وخاصة لو أضفنا ما قرأناه في المقدمة الصريحة التي تقول فيها سناء أنها تنتمي لجسد التدوين العربي، الذي انبثقت منه تغريدات تويتر ومنشورات الفيسبوك أيضا..

لكني -هنا- أرى سِفر التغريد برؤية أخرى، بعيدا -قليلا أو كثرا- عن شبكة التواصل الاجتماعي، فالعنوان -في فهمي- يوسع ضيقا، ويمد المدى أمامنا أفقا شاسعا، فإن كان التغريد لحنا من ألحان الحياة الجملية، الذي تختص به الطيور، فإن الكاتبة هنا -مجازا- طير حر مهاجر، يغرد بلُحونٍ شتى  حسب الموقف والموقع، فتارة لحنها شوق محب ملتاع، وتارة يأتي كتغريدة حزن من البعيد المغترب، وأخرى تأتي كالآه، على واقع مهيض نتألم بألمه... أو تساق كعتاب ضِمني يستشفه من ألقى الفهم وهو نبيه. وبهذا يغترف القارئ من تغاريدها معانيا ودلالات توحي بعتاب من يتقاسمون معها أرض وطن وهوية، ويشاركونها عرفا وثقافة، وجذورا تاريخية متعددة الروافد...

"يكفي أن أرى أمي العربية عاشقة لأغاني رويشة..
لأعرف أننا ولدنا منفتحين..
يكفي أن أرى أبي الأمازيغي يبكي فلسطين..
لأعرف أنني متصالحة مع قضيتي.." (أسمى درجات الحب.. حب الوطن، صفحة: 93)

ورغم ما يغلب على لغة الكتاب البسيطة من إشارات صريحة أحيانا، ومُضْمَرة أخرى، وما يركبها من المجاز  في الغالب العام، فقد أدت المعنى في نظري، لهذا فإني أقول أن نصوص الكتاب لا تغرد خارج السرب، بل إنها ضمنه وداخل دائرته، ومهما أحست الكاتبة بغربة في طريقها، واعترى نفسها شيئا من القنوط فهي أوصلت صوتها مُغردا، وبلغنا، وكل له سعة فهم وله قراءته. نقرأ في صفحة 30:

"أحس بالغربة
في هذه الطريق..
ولا زلت أسير فيها..
أخاف فقط أن أتركها
فيقال عني "خارجة على الطريق"
وكيف لا أكون خارجة
وأنا..
 في طريق
ليس فيها أحد؟!"

إن النصوص تأتي على قدر مقدرٍ، تغرد للسرب من داخله ومن خارجه أيضا، تغرد لعواطف الجماعة، لقلوبها، لعقولها، أو تستنهض همما، وتبث هما، تنتقد بمحبة، وتتألم في صمت حين تتفجر الحروف من عصارة تجربة حياتيه، وتمتاح هذه النصوص قدرة البوح من الواقع ومجرياته، ومن عوائقه وعواصفه العابثة. تحملنا سناء عبرها إلى عالمها الحسي فندرك متى تدمع بصدق، ومتى تبتسم، ومتى تنكسر  وتضجر  إن وهنت، ومتى تثور وتنتفض... هذه النصوص القصيرة جدا، أو هذه الشذرات والتغريدات، للسابق منها علاقة باللاحق، في مضمار واحد، تصطف، تطرح تأملات وتساؤلات، قد لا تحتاج إجابات بل إلى  بعض التفكير  في الفعل والنهوض، بدل ردود الأفعال... وبين كل شذرة كلام وأفكار، ومواقف وتحديات... أزعم أنه لو أفلحنا في دمجها لكان لنا نص طويل تذوب فيه التجربة الشخصية وتنصهر مع الرؤى والمواقف والأفكار..

للكتاب سبعة فصول، وكل فصل يلُم إضمامات، وكل إضمامة تتشذر لتستوي نصوصا قصيرة جدا تتشابه حينا في العزف على وثر واحد مؤلم، وتندرج في سياق زمكاني أنتج مراحلا انتقالية تتطور بالسَّفريات ما بين المغرب وفرنسا ونيويورك، كأنه كرٌّ وفر في معارك افتراضية من أجل إثبات الذات، وبناء الشخصية السويّة في غربة مظلمة تكاد تخنق النفس العزيزة (والعزيزة هنا بمعنى العزة).
تبوح الكاتبة بحبها لوطنها في أكثر من نص، بوحها ثارة تلفُّه نغمة حنين وانجذاب نحو وطن الذكرى، كأنه المعشوق الأول، فنقرأ في صفحة 14 ، صورة للحنين الذي يجعل المغترب يحيا على أمل عناق الوطن:

"جاءني الوطن ليلا يبكي
فحضنته..
وأخذنا صورة..
وفي الصباح
سحبت الصورة لأتمعن فيها..
فوجدت نفسي
أحضن نفسي
وكل الدموع
كانت تنزل من عينيّ!"

ولعل إسناد المجيء والبكاء للوطن وتجسيده كشخص يشعر ويتحرك ويحضن هو نوع من إضفاء الحياة عليه، لكن السؤال الذي يقفز من بين الأسئلة: ما الذي يُبكي هذا الوطن؟.

وفي صورة أخرى امتزجت فيها الذكرى إذ تحيلنا على مشهد فتاة صغيرة مولعة بأكل التراب إلى حد الإدمان، نقرأ في صفحة 16:

"كنت أتسلل إلى الحديقة
وأقصد الشجرة الكبيرة
أختبئ وراءها
وأقطف من الأرض شيئا من الطين
ثم أجلس أستلذ مذاقه
أكلت التراب حتى ملأ جوفي حبه!"

ثم تقول:

"كنت أجده حلوا.. حلوا بقدر ما أجده الآن مرا"

لا يمكن أن تكون هذه العلاقة بين تراب الأرض وإدمان الحب له، اعتباطا، فمن نبت من تراب وطنه من الصعب أن يتخلص من حبه، كالنبتة... فهو يحمل تلك العناصر الترابية التي نشأ منها، يحملها حتى الكبر، وإن استحال ذوقها مرارة، فمرارتها نشوة حب، وقد قال الشاعر:

بلادي وإن جارت علي عزيزة * وأهلي وإن ضنوا علي كرام

إن الكاتبة  كما قالت عن نفسها، كالنخلة: "كلما اشتد عطشها، اشتد تشبث جذورها بأرضها".
ومفهوم الوطن عند سناء يتخذ أشكالا ومسميات كثيرة، فهو مرة التراب، ومرة الصويرة، تقول: "أيّ هدية أهدي الصويرة". وهو بحرها وجزيرة موكادور التي تتربع قريبا من المدينة على المحيط الأطلنتي، وكأنها تشير إلى الجزء (المدينة) ليعبر عن الكل (الوطن)، فنقرأ في صفحة 22:

"تلك الجزيرة تندب حظها
منذ أن سميت رأس فرعون
والأخرى بجانبها متكبرة
لأنها سميت جزيرة موكادور
لكما في القلب نفس المساحة
فلماذا تختصمان؟
!"

فلماذا التخاصم داخل وطن مادمنا نتشارك حبه؟

دائما ما يكون دافع الإنسان إلى الكتابة عن الوطن راجع إلى ما يحسه في دار الغربة من ألم:  "جمعت غربة الأهل والوطن... وخرجت أطوي المسافات ساعات طوال، أطفئ عطشي هنا وهناك...". يهتز الكيان، ويضني الشعور، حتى تتفجر الحروف ألما يؤنسها المعنى. فتقول: " أواسي نفسي وأقول: مهما تمددت المسافات بيننا... فمصير العصفور عودة إلى عشه" ص68.

وفي عمق الغربة تغرد قائلة: " حينها تفهم ما معنى أن تعيش  كعضو بلا جسد، تمرض وحيدا.. وتنهض وحيدا" ص: 12

وتشغل الأم حيزا من هذا البوح أيضا، لما تمثله من أيقونة حنان، فإن كان للوطن حضن واسع، فإن حضن الأم أوسع بل أأمَن. تقول سناء في سِفرها: "أكابر البعد يا أمي.. كي لا تعيشين الألم مرتين".
"...مهما ابتعدت، أطير بعيدا فأنزف المسافة حبا".

هذا العطش إلى الإرتواء من نبع الحنان، يوَلِّد اشتياقا إلى تصرفات الأم التي تبدو عادة روتينية للرائي، أفلم يقل محمود درويش: "أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي، ولمسة أمي". فهي عادات فطرية لا يقدّرها إلا من ذاق مرارة الفقد، أو علقم الغربة، ففي نص أقتطف هذه النهاية التي تبوح بعمق الفجوة التي يُخلّفها غياب الأم حين انطراح الجسد واستسلامه للمرض أو الوهن، نقرأ في صفحة17:

"كانت النافذة مفتوحة
فرأيت أمي تدخل منها وبيديها غطاء
تقترب مني..
وتغطيني
دبت الحياة في جسدي فجأة،
ونهضت شوقا لأحضنها
فتلاشى خيالها..
بين الحقيقة والأحلام"

فحضور طيف الأم لا يقتصر على لحظة تذكر، بل حتى في حالة النقص التي تعتري الإنسان ويخلو إلى ذاته، ويشتاق إلى أنس الأهل..

واحتل حب الأب مساحة أخرى بين نصوص الكتاب، ففي نص يسوق مفارقة جميلة بين طلب الدفء لرد برد الشتاء عن الجسد، ودفء حضن الأب الذي هو مطلب القلب المشتاق إلى الأهل، نقرأ في صفحة  19:

"شعرت بالبرد فشغلت المسخن
ثم لبست ملابس شتوية
لكنني لم أجد دفئا..
فهمت أن هذا البرد
يأتي من الداخل
القلب مشتاق
ويحتاج لدفء حضنك يا أبي..."

وكأنها تنشد مع نزار قوله:

"وعينا أبي.. ملجأٌ للنجوم 
فهل يذكر الشرق عيني أبي؟".


وفي نص آخر تصور لنا لحظة اللقاء المتوَّج، حين تشبه الأمَّ بالشمس والأبَ بالقمر، وهي تتوسطهما، بقلبيهما المعطاء حبا، نقرأ في صفحة 18:

"أتوسط قلبين شاخا في حبي
شمس على يميني
وقمر على شمالي
في كل لحظة كهذه
أجدني أملك الدنيا وما فيها".

لا يمكن أن نتصور أن النصوص التي غردت للوطن وللأم والأب تنفصل عن شخصية الكاتبة، فهي استخدمت أسلوب المخاطِب في جلها، هذا لأنها تحمل معها هذه الأشياء حلا وترحالا، بين بحر الصويرة ونهر السين، فمِثل هذا الحب حريّ أن نهبه لهذا الثالوث، ومهما ترنحنا في الدنيا فإليه الرجعى...

- مخالطة الناس

مخالطة الناس تبهج النفس، (كطائر شريد أحمل في قلبي من أحبهم مهما ابتعدت...) وبقدر ما تبتهج تتألم منهم، خاصة من أحبهم القلب وسوَّى لهم عرشا في سويدائه، نقرأ في صفحة 10:

"ولدت بخط متصل يشق كفي
فحذرتني أمي من فتحهما..
ومخالطة الغرباء،
الآن تغربت... أفتح كفي وأقول:
كان الأجدر أن تحذرينني
من فتح قلبي يا أمي...!"

وفي هذا النص استعانت الكاتبة في بنائه بالفكرة المتعارف عليها في الثقافة الشعبية، الخط المتصل في باطن الكف وما ترسخ في الذاكرة الجماعية من مخاطره على الأطفال (الزوهريين) أمام الغرباء، وتحذير الآباء لفذات أكبادهم من الثقة في أي غريب، مخافة اختطافهم.

- من الشك إلى اليقين

نقرأ في غنائم حروبي صفحة 15: "...أدركت اليوم أن ما كان ينقصني لأرى الكون مشرقا هو نور الداخل.. نور القلب."

هذا اليقين يؤسس ثقة بالنفس وبالله -أولا- كما في قولها: "أصل الأمل ثقة بالرحمان، وأنا لازلت أثق فيك ربي"ص 27

ومن ملك هذا الأمر كأنه ملك الدنيا، فيسير واثق الخطوة يمشي ملكا، ينشد المعالي ويخف من أدران القلب، نقرأ :

"..وأسير بفخر كأني ملكت الأرض
أرى عيوبي تسقط عني
وأرى مكارم الأخلاق .. تتسلق إليّ
ذلك لأني على مقام مبارك.."

إن هذا الافتخار مبعثه الطمأنينة، والصدق، نقرأ في صفحة 71:

اسألوا الموج عني..
سيحكي لكم
أن الشمس تحترق دهرا
وتغيب في لحظة.."

هكذا هو سفر التغريد، بامتداده الزماني والمكاني. هذا ما أنتجه قلم سناء ما بين بحر موكادور ونهر السين. وأنا هنا لم أتطرق إلى كل ما صورته الكاتبة، وطرحته من تأملات جميلة لأن المقام لا يتسع لذلك، وتبقى للقارئ هذه المهمة.

هامش : 
- نشر في جريدة العاصمة بوست يوم 23 أبريل 2014

3 تعليقات:

Atlas Sahraoui يقول...

قرأت تقديما وتعليقا على الكتابة رائعين، فقد شوّقتني لقراءة الكتاب وأعطيتني فكرة حسنة جدا عن الكاتبة. لا أدري هل قرأت الكاتبة تعليقك أم لا، ولكنها لن تجد من يروّج لكتابها أحسن منك.
أرى كذلك فيك أنك أديبة أكثر من أن تكوني ناقدة أو معلّقة في مدوّنة لطيفة كهذه. وكم تمنيت أن أرى تعاليق أخرى غير تعليقي أنا لإثراء الموضوع ولتشجيعك أنت على الكتابة والنقد، ولكي لا تبقي في طريق ليس فيه أحد.
أقدّر فيك حسك المرهف وأشكر عملك الدؤوب لنشر الفكر والأدب المجهولين من طرف الكثير منّا نحن العرب، نحن الشعوب التي لا تقرأ حتى قرآنها فما بالك بما يكتبه أدبائها.
دمت لنا يا امرأة غريبة هنا وهناك....يا لاليور دو لاطلاس، أو ومضة الأطلس
صديقك الجديد أطلس صحراوي

المواطن يقول...

رائعة جدا مشكورين يعطيكم الف عافية

محمد ابو عز الدين يقول...

سعدت بالتعرف إلى هذا الكتاب من خلال قراءة أخي الاستاذ رشيد أمديون و شوقني لقراءته ....
كما كنت أقرأ تدوينات الأخت سناء من قبل بشغف ....
و ما فهمته من هذه قراءة اقراءة ليس غريبا على سناء كما تعرفت عليها
تحياتي لما معا

إرسال تعليق