الخميس، أغسطس 14، 2014

البيات الشتوي !!


 

كَيَدٍ خفية، يمتد بهدوء فينزع عن النفس قناعها و يعريها، تهرب النفس مرتعشة، كطفل فقير فقرين، وهي تلملم صنيعتها من مبادئ وأفكار فضفاضة، فضفاضة جدا لكنها عاجزة على ستر ميليمتر من عورة الفكر الذي أنبتها ورعاها. عندما يتعرى هكذا شيء أمام مرآة قلب يحب لا ينقد الوضع إلا مواجهة صادقة مع النفس، لكن ماذا لو كان ذلك القلب صادقا في عدم صدقه مع نفسه؟؟

كمثل قطع خشب متشبعة ببرودة ومطر الشتاء، إن جمّعتها لا تدفئ بعضها البعض وإن أشعلتها لا تشتعل، وإن تركتها تزداد برودة وجمودا. كان شتاء علاقات إنسانية ولدت كبيرة راقية وأضحت ضعيفة وممزقة، تجمعها من طرف فتتمزق من الآخر..  هكذا قَدّمَ صورة لقلوب ضمها الحب ولم تعرف كيف تحافظ عليه ففتتها الزمن. القلب بعد الحب لا يعود كما كان.. إما يقوى فيحمل العالم بثقله أو يهن.. والقلوب لتحافظ على الحب تحتاج لشجاعة ولصبر ولتضحية ولنقاء ولسعة كبيرة. فيحدث كثيرا أن نتحدى العالم لأجل من نحبهم لكن قل ما نقف أمام أنفسنا ونواجه أنانيتها لأجلهم، رغم أن أخطر الأشياء على الحب لا تأتي من الخارج بل تولد وتنمو فينا.

ثم ما قيمة أن تكون إنسانا غنيا ومثقفا وراقيا، تحسن التصرف أمام الناس وتأسرهم بلطفك وتؤثر فيهم، وأنت عاجز على حضن أقرب الناس إليك، ما قيمة حياة تعيشها وأنت كالليل أسود تسلب نور كل من اقتربت منه وتظل مظلما مهما امتلأت سماؤك بالنجوم، بدل أن تكون كالنهار بشمس وحيدة لكنها تملأ المكان نورا ودفئا.

البيات الشتوي فيلم يحمل كل هذه الأشياء، فيلم يحمل اسمه بدرجة عميقة، رتيب كالبيات لكنه ليس مملا، كئيب يلبس رداء الشتاء لكنه ينذر بولادة جديدة ورؤية مختلفة إلى مكتسبات لم نتعود على نقاشها. يشرق على المتفرج كحياة امرأة بسيطة مكررة لكنها مشحونة بصور إنسانية عميقة، ويسدل ستاره بنضج تحفة تاريخة ثمينة لا تخالط أسواق العامة.

عندما سحبت نفسي إلى القاعة الكبيرة بهدوء كي لا أزعج المتفرجين، بدت لي القاعة فارغة إلا من بضع أجساد لا يتجاوز عددهم عشرة أو أقل.. وعندما انتهى الفيلم رأيت عشر أرواح أو أقل تنصرف في هدوء، ذلك أن من قضى ثلاث ساعات وربع أمام فيلم كهذا لا بد أن يكون على قدر عال من الرقي الفكري والإنساني..


هامش : 
البيات الشتوي أو Winter sleep، فيلم تركي فاز بجدارة وإستحقاق بجائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان لسنة 2014.





0 تعليقات:

إرسال تعليق