الأحد، ديسمبر 21، 2014

زبــــدة الحياة..



في قلبي حكاية  وهكذا أظنني أتيت ..

أقضي ساعات أتأمل الإختلاف الكبير بيني وبين إخوتي وبين الإخوة في الأسر التي أعرفها، كلما تأملت إزددت إيمانا أن هنالك شيئا أكبر من الصدفة وراء هذا الإختلاف.. لطالما آمنت أننا نعيش في دوائر كبيرة أو صغيرة لكن هنالك دائرة وحيدة تعيش فينا.. وهذه الدائرة التي تعيش فينا ليس إلا تلك التي كان يعيش فيها والدانا في اللحظة التي أتت بنا إلى الوجود.

لا أعرف لكن أظن أن الليلة التي أتت بي إلى هذه الحياة كانت ليلة ممطرة وباردة، وكنت حزينا فيها يا أبي .. لجأت لحضن أمي وأنت لا تعرف هل أنت هارب من أحزانك أم من البرد القارس أم من لَأيِ الحياة. 

تلك اللحظة يا أبي كانت آخر ذكرى أحملها وأنا أخرج منك، حملتها وظللت أعيشها بإستمرار.. أنا متعبة وحزينة ودائمة البحث عن شيء لا أعرفه يا أبي.. وكلما رضيت ببر لفظني وعدت للبحث من جديد. 

عندما حملتني يا أمي كنت مكرهة، جئتك رغم حبوب منع الحمل التي كنت تتناولينها، قررت أن آتي فأتيت، وعندما أتيت حضنتني وأحببتني وأعطيتني أكثر بكثير مما أعيطت لمن أتى قبلي.. أعطيتني الكثير يا أمي وعلمتني أن أرضى بالقليل فتعلمت وحفظت دروسك .. وظللت أعيش بهذا التناقض.. لا زال قلبي يعطي كثيرا ولا يعرف كيف ولا ما الذي يريده وراء كل ذلك العطاء.. لا زلت وحيدة أنزف في هذا الوضع غير المتزن يا أمي.. 

في قلبي رسالة.. بقلبي كتبتها ..

عندما سافرت إلى الناس، مشيت في الظلام طويلا وتعثرت مرارا وسقطت على وجهي. كنت في كل مرة أنهض  وأتحسس الأرض بأنامل أخلصت للإستغفار لأستدل على طريقي، أدميت أناملي وأدميت قلبي وذلت ناصيتي..

وصلت بعد حين إلى أنصاف دوائر ضممتها لننشئ كونا فضمتني، أخذت نور قلبي ومدت قذارة يديها لتمسحها في ثوبي.. أقلعت عنها وهربت فوجدت نورا.. لازال ثوبي نقيا كما كان لكن قطعة منه تمزقت واختفت.. لا أعرف أين سقطت مني  أو بين أي يدين تركتها.. 

عندما تركت الناس وسافرت إلى نفسي، وجدت يديّ تطعم من حولي ولا تطعمني، كنت هزيلة ومريضة وضعيفة، تساءلت بإستغراب كيف لي أن أعيش كل هذا العمر ولم تطعمني يدي قط.. بكيت بمرارة عندما رأيت يدا والديّ تتناوبان على إطعامي.. فعدت للناس كي لا أتعب يديهما الكريمتين. 

الآن عدت للسفر بين الناس، أتحملهم لأن بينهم روحان يشقيني شقاؤهما، أحضن ألم أمل تكسر وخيبة ثقة لم تقدر بعض مخاض طويل لم ينهيه صراخ الولادة، أحضن جنيني الميت بين أضلعي وأرنو إلى موضع بين الناس، قررت أن أظل على هذه الطريق بعد أن فشلت في السير في غيرها.. 

هنالك أسوأ من الألم.. أن لا تستطيع أن تتكلم عنه، أصمت وأملأ قلبي بالحب.. أصافح الناس به وعندما أتعب أجلس في ركن غرفتي، لا شيء لأحد عندي ولي عند بعضهم أشياء كثيرة.. أفتح نافذة الغرفة وأنثر خاتمة الحب في حضن السماء « سامحتهم يا ربي.. وإني إليك على سبيل جديد.. »


هامش النهاية..

وأنا أكتب هذه التدوينة، أجدني في حالة نفسية تعود ليونيو 2007، عندما خرجت من المغرب لأول مرة نحو بلد آخر، حلم آخر.. كنت أحمل كل من أحبهم في قلبي .. أحملهم بقلب نقي من أي إحساس بالذنب إتجاههم.. أحملهم في قلبي وأتشبث بهم بكل إخلاص وقوة وثقة في قدرتي على الحفاظ عليهم في قلبي مهما ابتعدت في الزمان والمكان.

الآن كذلك أجدني، أحمل كل من أحبهم وأخطو إلى الأمام نحو مرحلة جديدة.. ما يجعل هذا الشعور مختلفا هذه المرة هو أنني أحملهم  وأحبهم لكنني أخطو إلى مكان بعيد عنهم.. إلى مكان لن يكون لقاربي أي مرسى بجانبهم.. وهذه سُنة الحياة.



5 تعليقات:

مثال يقول...

نص لا يحتمل التعليق..
عذرا إن لم أكتب لك شيئا.. فقد أتعبتني هذه التدوينة كثيرا.. :(

لاليور دو لاطلاس يقول...

مثال الغالية.. مرورك يعزيني..

حنان يقول...

القلوب التي تعطي ولا تأخذ قلوب طاهرة يملؤها الحب.. دمت العطاء كله يا سناء

نسايم المملكة للخدمات المنزلية يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
شركة تنظيف يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

إرسال تعليق